إبداعات

قراءة موجزة في رواية “الغجر يحبون أيضا”

 

بقلم:حسين الأمير..روائي سعودي

كم أشبهك يا أبي.

“هكذا كانت تقول أمي أنجلينا أموندين أو أنجي كما كنت تُناديها في أوقات عنفوانك الجميل، اجتمعتما بالصدفة الساحرة عند بوابات كوريدا وهران وفرقتكما صدفة الموت القاسي”. 

بهذه الكلمات افتتح الروائي واسيني الأعرج روايته الغجر يحبون أيضَا الصادرة من دار الآداب اللبنانية

جاءت الرواية بصوت الروائي العليم وهو صوت إزميرالدا ابنة بطلي الرواية خوسية وأنجلينا. تسرد في البداية طريقة رحيل والديها، الأب بقرني ثور هائج اسمه وحده يكفي لزرع الرعب في قلب متفرجي حلبة مصارعة الثيران (موريرتي أو لاركانيغرا) ومعناه الموت أو الحجر الأسود والأم التي قضت برصاصة OAS  عند عتبات فندق مارتيناز.

المكان “وهران” مدينة جزائرية تطل على البحر المتوسط الزمان في منتصف القرن المنصرم ابان الاستعمار الفرنسي. بعد المقدمة يأتي مشهد الفصل الأول بانوراميا ليغطي تكوينة المجتمع الوهراني المتعدد عندما تفتح أبواب القطار الثقيلة، معلنةً وصوله إلى مقصده مدينة وهران، يخرج الغجر بملابسهم الملونة وموسيقاهم الاحتفالية تسبقهم أغانيهم ونقرات القيثارة الجافة والبانجو والضحكات التي لاتتوقف وعلى التوالي ينزل الركاب يختلطون في قاعة الاستقبال وهرانيون من أصول إسبانية أندلسيةهم المهاجرون الذين تركوا الأندلس بعد سقوطها في القرن الرابع عشر الميلادي ويطلق عليهم سخريةً (الكاراكولا) وتعني الحلزون الذي يحمل امتعته على ظهره وكان هذا حالهم وقت هروبهم عند سقوط الأندلس، ومسلمون عرب ويهود وفرنسيون هذه الخلطة المجتمعية لم تكن متساوية في الحقوق المسلمون يعتبرون إرهابيين بحكم نضالهم من أجل الإستقلالوالغجر منبوذون وتؤلف عليهم كثير من الأساطير اليهود ربما أفضل حالا لكن مازالت ذاكراتهم عالقة في مأساة الأفران النازية حديثة العهد وقتها والإسبان رغم النظرة بأنهم أوروبيين إلا أنهم يأتون في المرتبة الثانية بعد من أصولهم فرنسية.

تناقش الرواية صراع الهويات بحكم التنوع المجتمعي، يتحول أحيانا هذا الصراع إلى تعايش ومحبة لكن عدم حصول الجميع على حقوقه تطفح حدة الصراعات على السطح مع عمليات قتل وتفجير يتهم على أثرها العرب وتنال تعاطف الغجر.

الماتدورخوسيةأورانو بطل الرواية الشخصية الوهرانية من أصول أندلسية شخصية محبوبة ومميزةتدور أغلب الرواية حولها.

بالصدفة وعند مدخل (كوريدا وهران) حلبة مصارعة الثيران يلتقي بأنجلينا وهي تؤدي رقصة غجرية مثيرة تشده ليرقص معها حينما تحلق حوله الناس بحكم شهرته.

سحبت أنجلينا خوسي باتجاه وسط الساحة مد يده بكل طولها بينما تراجع زوجها غارسيا بيكينو إلى الوراء وهو لايصدق عينيه-خوسيه أورانوالماتدو-المميز الذي يكن له محبة كبيرة ولم يفوت له أي نزال في وهران أو في اشبيليا وحتى في مكسيكو يراقص زوجته هذا اللقاء بجماله وبعلاته يشكل نقطة ارتباك لغارسيا صاحب الملف المشبوه بحكم دخوله السجن لعدة مرات.

 رقص خوسيه مع أنجلينا رقصة طويلة وهما في انسجام كلي وكان الجمهور مستمتعا حتى دارت أنجي في مكانها كورقة في مهب الريح قبل أن تنزل على ركبتيها وتوقف الرقصة نهائياً بشكل جاف تمتمت وهي تمد يديها نحوه كمن يستنجد قائله

-حبيبي خوسيةأورانو اقتلني أو أنقذني من سيفك

ضحك الجمهور عاليا.

كان هذا اللقاء نقطة البداية لعلاقة حب بين خوسيةأورانو وأنجلينا التي تعلقت به تعلق جنوني حب غجري لا يعترف بأي شيء سوى الحب رغم المصاعب والعقبات وفي مقدمتها ضغينة غارسيا الذي لم تكن على وفاق معه فبعد حادثة ضربها حتى كادت تموت انفصلت عنه نهائيا لكنه لم يقبلبل هدد بقتلها حسب عرف الغجر فالزوجة مهما جرى لاتترك زوجها ولو حدث فعقوبتها الموت.

وتناقش الرواية أيضا استمرارية مصارعة الثيران من منعها كان الاجتماع الأبرز حول الموضوع في الكاتدرائية بع أن رفض المسجد استقبالها كذلك الكنيس اليهودي. حضر رجال دين مسيحيون، مسلمون ويهود شكلوا حائطا ضد هذه الرياضة وشخصيات رسمية وصحفية وناشطون ومن عامة المجتمع منهم المعارض ومنهم المتعصب لهذه اللعبة ومن الحضور الماتدورخوسيةأورانو. كان الحوار الذي جاء على أكثر من لسان ممتع جدا كان لكل رجل دين كلمة تعبر عن منعه من المنطلق الديني الخاص به وكانت لخوسية كلمة أيضا عبر من خلالها عن نظرة مميزة أجاد الكاتب من خلالها طرح فكرة القناعة المرنة وضح رأياً بطريقة مميزة مما قال “منذ نصف قرن حدث صراع بين أنصار البناء بالمواد التقليدية النبيلة كالخشب والحجارة الكلسية البيضاء والطين والتبن وبين أنصار التحديث والبناء بالإسمنت المسلح، الأماكن ليست حجارة فقط ولكنها تتكلم أيضا وتحتاج فقط من يصغي إليها” بهذه الكلمة كأنه يريد أن يوضح أن الحوار والاستماع مهم جدا رغم القناعات.

أستخدم الكاتب في الرواية تقنية الاسترجاع التام حرك من خلالها الحبكة فبعد المقدمة وطريقة تحريك الصور والمشاهد بدأ التصاعد الدرامي وتوالي الأحداث ابتداءً بنهاية حياة بطلي الرواية ماضيهما الأحدث انتهاءً ببداية اللقاء وكأنه يريد استعجال شعلة التشويق مبكرا لدى القارئ فما إن تهدأ حدة التشويق حتى تشتعل شعلة القلق على البطل أستمرت هذه الطريقة حتى نهاية الرواية بحيث أدخل واسيني الأعرج القارئ مع أبطال الرواية وشخصياتها إلى كوريدا وهران لمشاهدة العرض الأخير صراع الماتدورخوسيةمورينوا مع الثور مورتي وسط صيحات هووولي من الجمهور الغفير حيث لم تبقى بقعة فارغة من البشر وعيني أنجلينا الحامل بـ ازميرالدا تتابع بقلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق