الأخبار الثقافيةمقالات

تأملات عربية في التجربة الصينية

 "شنتشن" من قرية منسية إلى مدينة عالمية  

بقلم – صلاح أبوزيد

إنها ليست مجرد مدينة عالمية كبرى يُشار إليها بالبنان وتضم عدداً هائلاً من ناطحات السحاب ومقار شركات التكنولوجيا العملاقة مثل هواوي وتينسنت وغيرهما، لكنها تلخيص لمسيرة الإصلاح والانفتاح، وعروسُ نهضة الصين المعاصرة، إنها شنتشن أو شنجن أو شنزنShenzhen  التي لو تكلمت لقالت “لا شيء مستحيلاً على التخطيط الجيد والعزيمة الصُّلبة والعمل الجاد”.. 

وبمناسبة الاحتفال هذه الأيام بمرور 40 عاماً على انطلاق المدينة كأول منطقة اقتصادية خاصة في البلاد، تعالوا نتأمل معاً هذه التجربة الناجحة.

بدايةً تقع شنتشن على ضفاف نهر اللؤلؤ، وتتبع مقاطعة قوانغدونغ التي تضم أيضاً مدينة كوانجو الشهيرة لدى التجار العرب، وقبل عام 1980م كانت محافظة صغيرة فقيرة ومنسية وأهلها يمتهنون الصيد، وعدد سكانها 366.9 ألف نسمة (الآن يسكنها ما يقارب 14 مليون إنسان)، وقد التقطتها عينا جواهرجي النهضة الصينية الحديثة وصائغها الزعيم دينغ شياو بينغ لتكون أول منطقة اقتصادية خاصة، ربما لأنها تواجه بموقعها الجغرافي هونغ كونغ التي كانت آنذاك تحت سيطرة إنجلترا ولم تعد إلى حضن وطنها الأم بعد، فأراد الرجل أن يثبت قدرة الصينيين على الإنجاز والتفوق حتى على هونغ كونغ نفسها، ولعله أراد الاستفادة من تجربة هونغ كونغ الناجحة، المهم أن الدولة وفرت لها كل الإمكانات ومنحتها سياسات تفضيلية ومزايا عديدة، وجعلتها بيئة خصبة ومناسبة لاستقبال الاستثمارات والتكنولوجيا العالمية..

ولكي تعرف ما وصلت إليه شنتشن، سأورد لك هنا بعض الأرقام:

منذ إصدار أول رخصة تجارية لشركة ذات تمويل أجنبي في عام 1981م، تأسست في المدينة أكثر من 90 ألف شركة أجنبية التمويل، وخلال النصف الأول من هذا العام، ورغم جائحة كورونا وتراجُع الاستثمارات الأجنبية في كثير من الدول فقد نشأت فيها حوالي 2000 شركة ذات تمويل أجنبي، وتجاوز حجم رأس المال الأجنبي المستخدم فعلياً 4 مليارات دولار أمريكي. ( المصدر: وكالة شينخوا)

ومن يناير إلى أغسطس ارتفع حجم التجارة الخارجية للمدينة بنسبة 2 % على أساس سنوي إلى 1.88 تريليون يوان(حوالي 276 مليار دولار أمريكي)، وبلغ حجم الصادرات 1.04 تريليون يوان، والواردات 845.69 مليار يوان، (حسب الجمارك المحلية).

وتحتل الآن المرتبة الخامسة بين المدن الآسيوية، من ناحية الناتج المحلي الإجمالي، الذي زاد بمعدل سنوي يبلغ 20.7 %، ليصل إلى 2.7 تريليون يوان (حوالي  400.1 مليار دولار أمريكي في 2019م)، وكان 270  مليون يوان في عام 1980م. 

وفي عام 2019م، استقبل مطارها 370 ألف رحلة إقلاع وهبوط، نقلت 52.93  مليون مسافر و1.28  مليون طن من البضائع والبريد.

وتعد شنتشن أحد مراكز التصنيع الكبرى في الصين والعالم، خاصة الإلكترونيات والأجهزة الحديثة والمعدات فائقة التكنولوجيا، واذكر ما شئت من منتجات متميزة فللمدينة نصيب فيها وباع كبير ..

وهي أيضاً عنوان للابتكار والإبداع، حيث شكلت طلبات براءات الاختراع المقدمة منها حوالي 30.6٪ من إجمالي طلبات الصين إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية “ويبو”.

وهي أول مدينة في الصين تغطيها شبكة الجيل الخامس بشكل كامل، وتنتظرها آفاق أكثر رحابة في مجال التطور الرقمي.

والأرقام كثيرة جداً ومبهرة، ولا أريد أن أصدع رأسك بها، فالمدينة بحق معجزة تنموية عالمية، كما وصفها الرئيس شي جين بينغ في كلمته بمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيس منطقة شنتشن الاقتصادية الخاصة، داعياً إياها إلى التحول  إلى قائد دولي في الابتكار التكنولوجي والصناعي.

ولأنها حديثة النشأة فقد شيدت الحكومة بها عدداً من المنشآت السياحية الرائعة، أبرزها حديقة خريطة الصين التي تضم حوالي ثلاثين ألف مجسم مصغر لأهم معالم الدولة الرئيسية، ناهيك عن المتنزهات وحدائق الألعاب وغيرها..

وشنتشن التي قد تبدو لك متجهمة الوجه ببناياتها العالية وأبراجها الشاهقة وشركاتها التي تنافس على القمة، ينقلب حالها في الليل إلى حالمة ناعمة، فيخرج أهلها إلى الحدائق والمتنزهات التي تنتشر في أنحائها، وتصدح الموسيقى في كل مكان تدخله كأنها مدينة للزهور والموسيقى واللهو والدَّعة.. 

واللافت أن معظم سكان شنتشن في سن الشباب، وللنساء وجود قوي في المناصب القيادية وكل مجالات الحياة، وقد زرت المدينة مع وفد إعلامي عربي، واصطحبونا إلى مقر إحدى شركات الأحذية، وكان المكان جميلاً، وفي الدور الأخير منه مطعم أنيق مخصص للعاملين وقاعة اجتماعات لطيفة تطل على مشهد رائع.. 

وفي مواجهتنا جلست ثلاث سيدات يشغلن مناصب إدارية رفيعة، وعندما كانت إحداهن تستعرض نشاط الشركة وأسعار منتجاتها بحماسة قاطعتُها قائلاً: ولكن هذه الأسعار مرتفعة جداً بالنسبة إلينا عكس الكثير من المنتجات الصينية الرخيصة، أجابت أخرى قائلة، إن الشركة تخطط لمنافسة الماركات العالمية المشهورة بهذا المجال وتسعى إلى نيل حصة مناسبة من الأسواق الغربية من خلال طرح منتجات عالية الجودة ورفيعة الذوق وبأسعار معقولة.. 

كن يتكلمن وفي أعينهن بريق العزم والطموح يشع فيملأ المكان. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق