الأخبار الثقافيةمقالات

مرضى في الذاكرة (١)

بقلم- دكتور نجوى الصاوي:

خلال ٢٠ عاما من الدراسه والتدريب والعمل مررت بقصص كثيرة، اما حدثت مع مرضى اوسمعتها  من المرضى، منها ما رسخ في الذاكره وثبت، اما لكميه الألم والحزن، او الطرافه والاستغراب، ومنها ماكان مؤثر للغاية  لدرجة أنها  أصبحت دروس  مفيده في حياتي.

والآن، أحب أن اسرد لكم هذه القصة لما فيها  من عبرة، حين فتح “أحمد” عينيه الصغيرتين بعد ولادته بالعناية المركزه للخدج في مستشفى حكومي بإحدى المدن الصغيره، لما يعانيه من مشاكل قلبيه احتاجت إلى تدخل جراحي سريع، كان جسمه هزيل ووزنه لايزيد عن كيلو لانه مصاب بمتلازمة داون وقد ولد في الشهر الثامن .

أيضا، كان يملك اصبع سادسه بكل يد مثل والده، وكان الوحيد يشبه والده بتلك الصفه، حيث بقي في العنايه ثلاثة أشهر في ذلك الوقت كانت امه تزوره باستمرار بينما كان والده يرفض زيارته، الأمر الذي جعل الأم تشعر بحزن شديد.

كان “أحمد” الطفل الخامس، ففي الوقت الذي تحسنت فيه صحته، اتصلت إدارة المستشفى بوالديه لاستلامه، شعرت الأم بسعادة عارمة لتعلق قلبها بهذا الملاك البرئ الذي لا ذنب له، وكانت اللطامة حين رفض والده استلامه بحجة أنه لا أحد يستطيع التعامل معه، وراتبه لا يكفي للصرف على طفل مريض لكونه موظف ذو راتب بسيط، ورغم اتصال إدارة المستشفى عليه يومياً إلا أنها كانت دون استجابة، ظلت الأم تبكي على وليدها وظل الأب يابس القلب رافضاً أن تزور صغيرها.

مرت السنين العشر، و العائله مشغوله بمتاعب الحياة وتربية الصغار، بقي “أحمد” بالمستشفي تحت عناية الممرضات والاطباء، حيث قامت برعايته ممرضة من نفس المنطقة وتسكن بجانب المستشفى، اعتبرته مثل طفلها تأتي إليه بأي وقت واحيانا تاخذه لمنزلها ليلعب مع اطفالها الذين تعلقو به واعتبروه أخ لهم
راعته واغدقت عليه بالهدايا والالعاب، و تحضر له  ملابس اطفالها، كان يعتبرها مثل والدته يفرح عندما يراها يوميا ويحزن لغيابها نهاية الدوام.

“أحمد” كان طفل حيوي وسعيد ذو وجه دائري جميل بريء، شعره اسود ناعم، أحبه الجميع بالمستشفى وتعلقوا به، لكونه طفل يدخل القلب سريعاً للطافته،
وكان يتميز بذكاء قريب من الطبيعي يقال لهم “طفل داون موزايك”.

وفي أحد الأيام كان “أحمد” يلهو مع الممرضه عند باب المستشفى، أحضرت سيارة إسعاف شخص يدعى “خالد” مصاباً في حادث بكسر في العمود الفقري والحوض، نظر إليه “أحمد” مشيراً بيديه الصغيرتين نحوه فبتسم له المصاب بحب حيث جذبته إبتسامة “أحمد” المميزه.

مرت الايام والمصاب أجريت له عمليه جراحيه معقده ولم تنجح لوجود قطع بالعمود الفقري ادى الى شلل بالجزء السفلي تطلب البقاء بالمستشفى لعدة اسابيع، في هذه الفترة كان يخرج بكرسيه المتحرك لشراء قهوة من كافيه المستشفى، يحتسيه بالحديقه الصغيرة في فناء المستشفى، وفي كل مرة يصادف خروجه وجود الممرضه وأحمد الذي كان يتحرك اتجاهه بلهفة وحب ليطبع الأخر قبله على رأسه ويلاعبه متغلباً على شعوره بالملل.

ومن هنا، بدأ يربطه بـ “أحمد” علاقة حب شديد، واصبح الطفل شديد التعلق به حيث كان يلاطفه و يحمل بعض صفاته منها أنه يمتلك ست أصابع مثله بكل يد.
وفي الأسابيع الأولى لم يزر “خالد” أحد بسبب ظروف زوجته المرضيه لإصابتها بـ “روماتيزم المفاصل”، إلى أن جاء يوم وقامت بزيارة زوجها ولم تجده بالغرفة، سألت عنه أخبروها بانه يحتسي القهوة مع صديقه الصغير، وحين ذهبت لمقابلته وجدته يضحك من القلب، ولم تعتاد عليه بهذه السعادة والحديث مع أطفاله.

سلمت عليه وجلست معه، رآها “أحمد” فابتسم لها إبتسامته الساحرة، وحين مد يده للسلام عليها انتبهت لأصابعه وقلبها ينبض بغريزة الامومة،
كشفت عن صدره لرؤية غرز عملية القلب الطويله
والوحمه الكبيره على صدره، الأمر الذي جعل “أحمد” والممرضه يشعران بدهشة من تصرفاتها.

وفجأه انتبه الجميع على صوت صرختها، اخذته في حضنها مُناديه “أحمد” فهي من اسمته بهذا الاسم، قبلته وحضنته وهي تصرخ ولدي حبيبي، الله يسامح من أبعدني عنك والاب “خالد” مصدوم وأخذ يسترجع الماضي ويتذكر الصغير الذي رفضه والعلامات التي يحملها واسمه واستوعب ان ذلك لم يكن بصدفه.

ومن هنا أنهار الأب من البكاء، مُلقياً في حضنه وطلب منه ان يسامحه، بينما كان “أحمد” يمسح دموعه ويقبله بحنان، أخذ الأب يحلف بأنه تعلق به أكثر من ابناءه بالمنزل، وأقر بأن ربه عاقبه ورفض العوده للمنزل دونه، فرح “احمد” شديداً لكونه الوحيد الذي يشبهه بالأصابع وحبه له خلال الفتره الماضيه.

وفي النهاية، عاد “أحمد” إلى اسرته وتعرف عليهم بطريقة لطيفة الأمر الذي قامت به الممرضه لمنع الصدمه، والتي اصبحت صديقة للأم تزورهم بالمنزل مع أبناءها، ارتبط “أحمد” بأسرته ارتباطاً شديداً حيث أصبح أحب الأبناء لقلب الأب، أخواته احبوه بشدة لما يميزه من قلب حنون، ففي الصباح يوقظهم جميعا بقبله، يحضر لوالده حذاءه ونظراته، يساعد والدته بالأشياء البسيطة، ذهب “أحمد” لمدرسة اطفال متلازمه داون، كان الاذكى والاروع، حصل على جائزه الطفل الموهوب تقديراً لرسوماته الجميلة، ومتعاون مع زملاءه ويحفظ من القرآن الكريم.

ملاحظه القصه حقيقيه
الأسماء مستعاره

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق