الأخبار الثقافيةمقالات

اعلانات تجارية

بقلم- دكتور صالح الشحري:

عند بعض الاعلانات اشفق على مندوب الشركة المعلنة ،و فى اعلانات اخرى أشفق على نفسى ، وفي الحالتين أشعر بمرارة العيش التى تجعل بعض الشباب من الجنسين يقوم بهذه الاعمال، و لا أدري هل يكسبون منها شيئا يليق بما يمكن أن يتعرضوا له من ضيق ممن يتصلون به و جلافته و غلظته فى أحيان كثيرة.

كان الاعلان و خاصة فى التلفاز و الاذاعة شيئا مبهرا لنا نحن عندما كنا اطفالا، و خاصة عندما كان التلفاز المصري ينفرد بهذه الصناعة، كانت الموسيقى المرحة مع الأغنيات البهيجة مع الدعوة المفتوحة التى تفتح لك أبواب الطبقة الراقية تجعل جاذبية الإعلان لا تقاوم ،عندما نضجنا فهمنا ان الاعلانات جعلت المرأة سلعة تستخدم لترويج البضاعة، و انحدرت عندنا قيمة الموسيقار الذي يجعل من موسيقاه أداة لترويج منتجات هذه الشركة أو تلك، و لكن و رغم ذلك بقيت تتسلل الى نفوسنا وسائل دعاية تجدك تظن أن هذه السلعة أفضل من تلك التي لا تظفر بدعاية مغرية، و الشركات الذكية قد يصل إنفاقها على الاعلان اكثر من إنفاقها على السلعة نفسها و لعل هنا مكمن نجاحها.

خلال سنوات تفتحى الأولى على القراءة كان والدى و قد أصبحت مثله حريصا على قراءة مجلة العربى، وكانت المجلة تخصص الصفحات الاخيرة للاعلانات، مما جعلنى أحفظ أسماء بعض الشركات الكويتية، وكانت الصفحات تعلن عن ساعة اسمها رومر، رجل أنيق يستعرض ساعة رومر و يقول ساعتى رومر أنت فخري، كان هناك اعلان أيضا عن ساعة اسمها وست إند و لكن عليها صورة قلعة و اظن انها احدى المبانى الأثرية المتاخمة للبرلمان الإنجليزى ،زيادة كلمتين فى دعاية ساعة رومر جعلتنى اعطيها المركز الأول.

و حين ذهبت اشتري اول ساعة فى حياتى برفقة والدي رحمه الله، عرض علينا البائع مجموعة من الأصناف اذكر منها جويفيال و سيكو، لكننى قلت بفخر من يعرف أكثر من البائع اريد ساعة رومر، وعندما جاء البائع بها اشمأزت نفسي لا لسبب، فقد كانت الساعة التى يلبسها معظم الناس البسطاء، ويسميها البعض استهزاء ساعة صليب، و ليست تشبه بحال ساعة قاضى البلدة و لا مدير المدرسة، و لم يفلح البائع فى اقناعى بشرائها مغريا برخص ثمنها وسهولة صيانتها، و هنا ادركت أن أكثرنا يبحث عن شيء لا يعرف لماذا اختاره؟.

فى العشرين سنة الاخيرة رايت فى القاهرة و دمشق و جدة أسلوبا فى الدعاية انتشر بسرعة و لا زال ، تأتيك بطاقة دعوة بشرط أن تحضر أنت و عائلتك حفلة للإعلان عن مشروع عقارى، و فيها جوائر قد تصل الى خصم خمسين فى المئة من قيمة العقار، واذا تساءلت لماذا لا تنشر الاعلانات بتفاصيلها ليطلع عليها كل الناس، اجابوك أن البيع لا يستهدف كل الناس وانما البعض من الطبقة الراقية فقط، لان الجيران والملاك لا يرغبون فى ان يكون لديهم جيران من طبقات غير راقية او غير مثقفة.

وفي بعض الأحيان يرسلون لك سيارة لكى تأتى بك لموقع الحفلة، و الاغلب ان تذهب و قد ارتديت ملابسك الرسمية، و معك عائلتك، لتقدم لك ضيافة من نوع عصير برتقال “تانج”، ثم ياتيك موظف يشرح لك مؤكدا على موقعك الطبقى المتميز الذي اهلك للشراء و بعد كل ذلك تأتي الأسعار ثم يقال لك خصم خمسين في المئة إذا دفعت القسط الأول الآن الآن وليس غدًا، و هذا خصم خاص بك فقط و يأتيك المدير ليهنئك بالجائزة، فإذا ترددت فإنما يعنى ذلك أنك لم ترق الى المرتبة المأمولة.

وأن صديقك الذي أعطاهم اسمك قد أخطأ فى تقييمك الطبقى و أنهم لن يقوموا بإعطاء المزايا التي منحوك إياها لمن ترشح من الأصدقاء، أكثر ما يدفعك للموافقة على الشراء أو يوجعك حين الرفض هو المسوق، إذ أنه أو أنها تفهمك أنهما قادمة لامتحانك حتى يعرف اذا كنت تستحق الإرتقاء للطبقة التى يفترض ان ترفعك عملية الشراء اليها، و يجعلك تشعر برهبة الامتحان خاصة اذا قام طفلك الصغير بحركة لا تليق بالطبقة الراقية، بعد ان تجتاز الامتحان الاولى يصبح صديقا، فهو ممثل الطبقة الراقية و ابنها و عميق التجذر فيها ، و قد خلع عليك بركاته، وهو احرص من الشركة على أن تكون لائقا بالوضع الطبقى الجديد.

فى المرحلة الثالثة عندما يظهر عليك التردد يفهمك أنك ستخسر صداقته لانه راهن عليك و انه سيخسر موقعه فى الشركة و قد يخسر مستقبله، تصبح هنا أنت المهم فيما يتضآئل هو أمامك، من أكثر ما احزننى ما فهمته مرة أن الفتاة الجميلة التى جاءت للتعامل معى طالبة بكلية الطب، استفهمت عن سبب هذا العمل قالت أنها تحب عمل العلاقات العامة و انها تريد بناء نقسها مبكرًا، المحت لها أن هذين لا يقتضيان ما فرضته على نفسها من إقتصاد فى اللباس، ولعلها فهمت لأنها تحدثت عن ضرورات العمل، و لا ادري لو علمت نقابة الأطباء بهذا العمل هل ستعاقب صاحبه، أم ستغض النظر و خلى الناس تاكل عيش.

الشيء الثالث المحرج و لكننى بت اضغط على نفسي لرفضه منذ اللحظة الأولى، يتصل بك مندوب من أي الجنسين ليهنئك على اختيار منزلك العامر ليقوم فريق الشركة بالحضور لتنظيفه بمكنسة كذا الألمانية ،فاذا سالت لماذا اختاروك، اجابوا بانك قد ترشحت من زبون مهم ة.

أحب أن تشاركه في الفائدة، و أنهم لا يفصحون عن اسماء زبائنهم مخافة الحسد، فاذا قلت له انك لم تشعر يوما ان بيتك بحاجة الى تنظيف إضافي أجابك بأن مكنسته تنظف الهواء و تعيد التوازن إلى طبقة الأوزون ، و على ذلك فقس، أما إن جاء يشغل لك مرشحة ماء جديدة، يتحدث عن اضرار الماء الذي تشربه على الكُلى، فتقول له انك تشتري من شركة كذا.

يتطوع بإفهامك أن كل هذه الشركات لا تتعامل مع البوتاسيوم أو الصوديوم فى الماء وهذا قد يضر قدراتك العقليه، و ربما حذرك من الزهايمر مبكر اتضح له فيك، العادة أن ترجئ الموضوع لوقت آخر فلا يكل و يستمر فى التواصل حتى تضطر إلى أن تفرطها معها، و هنا تحزن على نفسك وعلى المندوب التي ألجأته لقمة العيش الى خفض الكلام و تملق الزبون و الخسارة فى الحضور و الغياب.

ونختتم داعين، نعوذ بالله من الهم و الحزن و من العجز و الكسل و من الجبن و البخل، و من غلبة الدين وقهر الرجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق