إبداعات

الكوميديا السوداء فى “حزن مهرج متقاعد”

بقلم – حاتم مرعي:

حزن مهرج متقاعد هو الديوان الثالث للشاعر عماد عامر بعد، على وش الأحلام، عجلتي الـ ٢٦، تنتمي نصوص الديوان إلى تيار نثر العامية، فالشاعر منذ بداية تجربته يسعى إلى زحزحة الساكن والتمرد على وضع الثبات، يقول فى ديوانه عجلتي الـ ٢٦، الشعر اللي يصالح مش شعر الشعر ده إعلان الحرب على الساكن على المتقال.

نص “محاولة” لاتنطلق تجربة الشاعر من موقف جمالي ثابت إلى آخر متغير إلا بقيم فنية جديدة، يستحضر ماغاب عنا ليصبح هو الحاضر فى لغته الشعرية، يستخدم لغة ساخرة ومريرة وكأنه يقدم لنا كوميديا سوداء يطرح من خلالها إنهزاماته الصغيرة المتكررة، بمفردات يومية طازجة، يستخدم لغة المسرح وتقنياته فى محاولة للخروج عما يسمى بالتجنيس النصي ليعمق الشعور بزمانية اللغة، يعتمد على تقنيات الصورة والمشهدية الدرامية، أحيانا تكون أحادية الصوت وأحيان أخرى.

تكون حوارية أو ديالوج يكثف من دراما النص،و من خلال إيقاع داخلي كامن يطفو أحيانا ليؤكد عدم الإنتظام فى سياق أحادي، فمن الممكن أن نلحظ تحولات الإيقاع منذ بداية التجربة ،لكن النص له زوايا متعددة للنظر، يقول فى بداية ديوانه:

فتارين الحزن ودواليب الآه
بني آدم شبهي
اللي شبهي مش كتير للأسف
ودي خلاصة تجارب كتير
وأبحاث نفسية
ودراسات تنظيرية
وعشان ماطولش عليكو

الجنس البشري تقريبا واحد

كله مثلا بيخاف م النار
وبينفخ فى الشوربة السخنة.

هى كوميديا سوداء يؤكدها عبر نصوص الديوان يحولها إلى مشاهد حركية تعمل على تشكيل صورة لمشهد كلي، نلمح هذا التصاعد الدرامي فى قصيدة مشهد دموي جدا، يقول:

ظابط واقف جنب الجثة
الجاني عينه فى عين الضحية
اللغة لغة العين
المجرم نايم على البلاط
عشماوي بيعدل الجثة
وبيفحص النبض
مستغرب انه ماطولش القلب فى الدق بعد الوفاة
بس لاحظ ان عنين المتوفي
كان فيها زى فيلم
فيه بندول بيتحرك
وستارة بتتمرجح
وفازة ورد بيدبل .

نرى هنا الحركة السينمائية برغم وصفه لجثة لا حياة بها، لكنه مشهد حركي حى يستخدم آلية التقطيع السريع ليصنع المشهد الكلي، يقول فى قصيدة مقابلة شخصية مابتتكررش كتير إجابة لسؤال قديم ..
ياعم الغول كلني
من غير ماتعمل فيلم
كلنى زى أى غول شريف
ولا الغيلان
مابقالهاش شرف ؟

يستمر الشاعر فى نسج هذا العالم الحركي الذى يطرح من خلاله اسئلته ويستخدم آليات فنون مختلفة مثل السرد،الفن التشكيلي، المسرح بمفرداته العديدة، نرى هذه الاستخدامات جلية فى نص بعنوان “لما تهيج الألوان بورتريه أبيض وإسود”، والذى أهداه للفنان التشكيلي “رضا فتحي” يقول:

الألوان
مابقتش تلذ
بقى تداخل السماوي مع الأحمر
مابيحركش ف روحه
زى زمان
_خشبة استعدوا_
الممثلين
يطلعوا من عينه
ويدخلوا ف قلب اللوحة
وهو
الراوي العليم
شايف حدود الشخصيات ..

وحتى نهاية النص نرى عرض مسرحي حى يجمع فنون التمثيل، الموسيقى، الديكور، الإضاءة، عرض له إيقاعه الداخلي طبقا للحالة الشعورية، التى تزداد رهافة وسوداوية، يتجسد هذا فى قصيدة “صرخة فى وش جعان عين واحدة”، يصور حالة فتاة تبدو جميلة وتفقد عينها اليسرى، بمرور الزمن تنعزل ثم تعتاد أن ترى الناس بعين واحدة “مع ان كل الناس بتبصلها بعين
واحدة”، وهنا مفارقة النهاية فى تصوير المأساة بهذه البساطة فى التعبير، يطرح لنا الشاعر شخوصه الحية وأسماء بعينها، سلوى،عم حسين بائع الشاى،حتى وان كانت شخوص رحلت عن عالمه وعالمنا، لكنها حيه ونابضه فى النصوص يقول فى القصيدة المكتوبة لروح أحمد الفلو:

معاد وحيد واتأخر
حزن كمانجة عجوز،
يااااااه
داخل على سنة
والكراسي
اللي قعدنا عليها ع البنا
لسه ف مكانها
وضحكتك بترن حيطان الأوبرا
واعقاب السجاير
لسه بتعمل وش بيضحك ع الأرض.

السرد فى نصوص عماد عامر ركيزة أساسية وكأنه هو هذا المهرج الذي يطرح لنا عالمه الشخصي ويحكى حكايته الشيقة بلغة مشحونة بحركة وتفاصيل وفضاء ذهني ومخيلي، يقول فى نص القصيدة “الحمرا”:

كل الحاجات اللي ابتدت بالضحك
ماتت على الشفة
كل الحاجات اللي ابتدت بعياط
عاشت ولا الذكرى.

وهى قصيدة خمسة أجزاء وبرغم استخدام آلية السرد إلا أنها لجأت إلى الموسيقى فى بدايتها، قد يكون هذا عن قصد حتى تأخذ هذه الموسيقى فى الخفوت لنصل إلى قصيدة هروب آخر الحواريين، “مش من لوحة العشاء الأخير” وهى تتداخل مع لوحة “دافنشي” الشهيرة ومع واقعة خيانة يهوذا للمسيح فى العشاء الأخير الذى تناوله المسيح مع حوارييه، خرج الشاعر عن إطار اللوحة التاريخية والحدث ليصور لنا المائدة وعليها طيور جارحة ،لينتهى المشهد بـ “يسوع بيترمي ع الأرض وكل الحواريين رايحين فى الضحك”، يقول:

المائدة هى هى
وعليها
بوم وغربان
وطيور جارحة
نص حية
والحواري اللي كان بيصرخ ف المشهد
لابس وش يهوذا
وبيقدم
كاس السم ليسوع
بالابتسامة الحنينة ..

أعاد الشاعر رسم اللوحة كما أعاد هيكلة الواقعة التاريخية الثابتة عبر تداعي هذياني أحيانا وعبثي إلى حد كبير ، هذا التشكيل يجعلنا نرى أكثر لنكشف عن النشوة التى منحتها نصوص عماد عامر لحواسنا ووجداننا.

*حزن مهرج متقاعد
عماد عامر
الهيئة العامة للكتاب ٢٠١٨.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق