صدر حديثاً

المصرية للكتاب  تصدر ” قضايا العقاد الفكرية”

  كتبت-هالة ياقوت:

 

صدر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي ،  كتاب “من قضايا العقاد الفكرية” للدكتور محمد فتحى فرج.

يقول المؤلف: “من ليس له ماض فليس له حاضر ، ومن ليس له حاضر فليس له  مستقبل”. لست أدرى ، على وجه اليقين ، أين ومتى ولمن قرأت هذه العبارة أو ـ إن  شئت الدقة ـ النص الذى يحمل معنى العبارة السابقة. ولكن على أية حال فإنها  تحمل معنى جميلا وخطيرا فى الوقت ذاته ؛ فهو يُبَيِّنُ بشكل واضح وقاطع ، أن  نهر الحياة يجرى فى التاريخ متواصلا بغير انقطاع ؛ لأنه إذا انقطع تدفقه ، فقد  يجف الزرع ويهلك الضرع ، وفى هذا تهديد للإنسان نفسه ، فى حياته وبقائه فى  ساحة الحياة ، بل وفى صفحة الخلود.

ويستطرد “لهذا ، فإن احتفاءنا بروادنا هو ـ فى واقع الأمر ـ احتفاء بمسيرة  الحياة الثقافية والفكرية ، والحفاظ على استمراريتها وارتقائها وتطورها طورا  تلو طور ، فى تواصل مستمر. ومن جهة أخرى فنحن ـ فى واقع الأمر ـ حينما نحتفى  بروادنا الكبار أو نحتفل، بهم ونتذكرهم، إنما نحتفى ونحتفل، ونتذكر أو نتذاكر  منجزهم الإنسانى الباقى. ونحاول أن نحافظ على الشعلة التى سلموها لنا مضيئة  وقَّادة ؛ لكى نسلمها ـ بدورنا ـ لمن يأتى بعدنا متوهجة مضيئة مشرقة”.

ويتابع فرج “وهى أيضا محاولة منا لاستدعاء دورهم وحماستهم القومية ، التى جعلت  منهم روادا فى المجالات المختلفة التى دفعوا بها مسيرة الوطن نحو التقدم  والتطور والرقى ، فنسير بمدد من هذه الحماسة على ذات الدرب ، لنحقق لوطننا بعض  ما حقق له هؤلاء الرواد من إنجازات ، ونحاول النجاح فى ما لم يدركوا تحقيقه ،  خاصة وأن معظم القضايا التى نذروا لها حياتهم وجُهدَهم وعطاءهم المتواصل  مازالت هى ذات القضايا التى نكافح الآن من أجل نُصْرتِها ، وتحقيق نجاحات  فيها”.

ومن القضايا التى كافح العقاد من أجلها وعلى سبيل المثال ، فإذا رحنا نعدد بعض  القضايا التى نذر الكاتب الكبير عباس محمود العقاد حياته من أجلها ، سنجد أن  أغلبها قضايا ما زلنا نسعى نحو تحقيقها على الرغم من الفاصل الزمنى الطويل  الذى بين جيلنا وجيله ، فالرجل قد رحل عن دنيانا الفانية منذ نصف قرن من  الزمان ، تبدلت فيها أمور كثيرة فى العالم كله ، وما تزال أمتنا تسعى نحو  تحقيق كثير مما كان جيل العقاد يسعى نحو تحقيقه. ولندعه ـ بقلمه البليغ ـ يلخص  لنا بعض ما نذر له هذا القلم ، وكافح وحارب من أجله الكثيرين ، حيث يقول: حاربت الطغيان ، الفوضى،رءوس الأموال وحاربت مذاهب الهدم والبغضاء ،التبشير و التقليد الأعمى والدجل المُريب باسم الدين.

الجمود والرجعية ، الإنكار والجحود ،هتلر ونابليون المستعمرين فى صفوف الديموقراطيين، أعداء الأدب المُسمّى بالقديم ، أصدقاء الأدب المسمى بالجديد ،الصهيونية ، النازية أكبر أعداء الصهيونية.

ويقول الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف: عشنا نحن طلاب الأزهر فى هذه  الحقبة(1) تهب علينا الرياح الثقافية العاتية من شرق أوربا وغربها ، وكنا بين  طريقين: إما فتح النوافذ لهذه الرياح ومعاناة الاغتراب ، وإما الانغلاق فى  مقررات التراث ومعناة الاغتراب كذلك .. ولم ينقذنا من هذا الصراع إلا نخبة من  عظماء مفكرى مصر ، الذين صمدوا لهذا الفكر الوافد من شرق ومن غرب ، وكشفوا عن  كثير من عوراته ونقائصه ونقائضه أيضا ، وبينوا للتائهين من القراء والشباب  مواطن الضعف والتهافت فى هذه المذاهب ، وكيف أنها “مذاهب هدامة”. وكان عملاق  الأدب العربى “العقاد” فى مقدمة هذه النخبة من العظماء الذين مثلوا لجيلنا طوق  نجاة ، وأعادوا لنا الثقة فى أنفسنا وفى تراثنا وحضارتنا ، وهذا الرائد العظيم  له فضل السبق والترصد لهذه المذاهب وتحطيم أصنامها وهدم معابدها بمعول لا يقوى  أحد على مواجهته.

وعلى هذا ، فكأنى بهذا الرجل العظيم ـ من خلال فكره ـ ودوره  الذى قام به ولم  ينته بعد ـ أقول كأنى به ماثل بين ظهرانينا ، بما ترك من ذخيرة أدبية وفكرية  وعلمية على جميع المستويات ، ومن قبل كل ذلك فقد ترك لنا القدوة والمثل ، وهو  الرجل الذى ضحى براحته وحريته يوما حينما هاجم أكبر رأس فى البلاد ـ وكان  وقتها الملك أحمد فؤاد ـ من أجل الدستور الذى كان يهدد بتعطيله ليحكم البلاد  حكما استبداديا.

ويشير المؤلف “أما العبقريات التى دبجتها يراعته، فقدم لنا من خلالها النماذج  الرائعة للعبقرية العربية الإسلامية، تلك التى وضعت اللبنات الأولى فى بنية   الحضارة الإنسانية التى بنت عليها أوربا ما تنعم فيه الآن وتفخر وتتيه به من  حضارة ومدنية ، أصل مفرداتها الأولى عربى قح ، كما بيَّن العقاد فى كثير من  مؤلفاته ، ومنها كتابه الرائع “أثر العرب فى الحضارة الأوربية” ، وكتابه  “الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين” ، وغيرهما.

ويؤكد فتحى فرج “أما غيرته على العربية فى هذا العصر الذى نعيش فيه فقد سبق  بها الكثيرين ، حيث بين فضلها ومكانتها العالية وقدرتها الفائقة على التعبير  على كافة الأصعدة ، من أدبية إلى علمية إلى التشريع والقانون والفقه ، فقدم  لنا كتابين من كتبه المهمة وهما: “اللغة الشاعرة” ، و”أشتات مجتمعات فى اللغة  والأدب” ، وغيرها من فصوله الكثيرة فى كتبه الكثيرة. هذا ، فضلا عن بحوثه  الكثيرة ومناقشاته المثمرة فى مجمع اللغة العربية الذى رشح لعضويته وانتظم فى  نشاطه  ضمن المجموعة الثانية التى تم ضمها لأعضائه والتى عُرفت بـ “العشرة  الطيبة” التى شملته مع صنوه ومجايله عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين ـ  رحمهما الله”.

ويختتم المؤلف: “ما أحوج شبابنا لاستشراف معالم هذه السيرة النبيلة ، التى  قدمت نموذجا طيبا للعصامية والتحدى والكفاح كيف يكون .. وكيف يكون عطاء المرء  لأمته ووطنه بلا حدود ، ودون انتظار لمقابل جاء أو لم يجئ.

مقالات ذات صلة

إغلاق