إبداعات

قصيده

شعر- موسي حوامده:
الأشجارُ تودعُ زوجَها الهَواء
تتلكأُ الجنازة
لعلَّها تصغي لضميرِ صاحبها
ينهضُ شَبحُ الطريق واقفًا
يمدُّ ظلالَه نحو المُشيِّعين
..توقفوا …توقفوا…
لم يشرب المُتَوَفَّى كأسَ الحياة بعد
ولم يتثاءبْ في كفنِه النُعاسُ
توقفوا
ظَلِّلوا قلبَه برقة النرجس
امنحوه بعضَ الطيب والحسنات
هناك لن يتوارى عنكم طويلًا
يدخل قلوب العائدين من مقبرة الوحشة
سكون 
توقفوا
يقطع الصمت صوتَ غرابٍ مَبحوحٍ يهمس للغبار:
الكثرة أكثر فتكًا
طريق اللحد ملتوٍ وسحيق
الخوف ندبة على جبين النعش
توقف أنت أيها الملاك الأزرق..
لا تقرأ على رأسي هذه الكلماتِ المريضةَ
لا تفترض أنك الوصي على باب الصراط
والقمين على الإذلال
كل الموتى صالحون
كانوا مؤمنين
صاروا اليوم ملاحدة ملحودين تحت الطين
أسلموا لباريهم أرواحهم عند الشهقة الأخيرة
واعترفوا بعجزهم عن فهم أولى البدايات وآخر النهايات وغفلة الغواية
توقفوا عن الأسئلة
آمنوا.. إئْتَّمنوا وأتُمنوا
كل الموتى طيبون
نحن الأحياءَ الشكاكون
الحزن طيب القلب يا ولدي
حين يكون حرًا مثلَ معنى حر
الدموع بريئة تهمي على خّدّي الزيزفزن
ونحن نمسد إلْيَتي الرعبِ بأصابع الرجاء
نعتذر عن خطيئة آدم
ما الذي اقترفناه يا إلهي لتدفعَ بنا يدُ التأويل
ما الذي فعلناه قبل أن نولدَ لنعاقبَ بالرأفة والنسيان
ما الذي جنيناه على أبنائنا كي تكون نطفُنا قابلةً للشيطان الرجيم
ما الذي فعلناه لنكون عرانيس ذرةٍ صفراء مخلوعة من حقول المدافن
تنهيدة
وآهةٌ تتسع في صدى الفقد
يدٌ تقترب من جبهة الطوطم المصاب بالنحول
تثور كائنات الروح
تموت كائنات الروح
خلجات الجسد
تعوي ذئاب المسرة
تموت ذئاب الحيرة
نحيا ونحيا
ثم نموت ونحيا
بينما الأشجارُ تودع زوجَها الهواء
تنحني ربة الموسيقى
تدير لنا وجهها المتغضن الشبقي
تومئ أن نبتعد عن نهر الموتى
فقد آن وقت التعذيب
تضحك ونرجف حتى نصير حطبًا من عظام الكمنجات
تشرد بنوتاتها السحرية السادية
فنصير شعب اللاذكريات
تشبُّ بنا الخديعة
تَجرُّنا من تلابيب حسرتنا
تشعل فينا نار الرغبة الدفينة
لا تحرسنا من شيء
ولا تمنحنا شيئًا
سوى بقايا ظلالنا
في الجحيم
وهياج غرزيتنا السرية
هنا نحيا بلا جثث
في النعيم
لم نكن نرى أجسادنا الخَرِبة تتمشى بزهو طواويس
أرهقتنا السنواتُ ودوران الأرض وفق ذلِّ نهاراتها المحتومة لرضا الشمس
مزقتنا الحكمة
حتى صرنا
عداوات ..قبورًا .. نسينا (ود ود أبيك) واصطفي لنفسك خٍلًا ودودا
بعثرنا السنابل في دروب الغانيات
اضحكي أيتها الغيمة
قلبي يودُّ عناق السماء
تَأبُطَ شمس الظهيرة
اضحكي يتها الأسارير
أحلم بغواية سرية لا تضاهيها المعجزات
اضحكي يتها الجنازة
لكن أخبريني ولو بايماءة
من الدَّهانُ الألمعي الذي طَلى وجهَ الموت بالبياض
ومنح العيون خاصية الدموع
اضحكي..يا غابة الزمن الميت
ربَّ ألوان لم تدركها النعوش
ربَّ نهايات لا تشبه التطمينات الأولى
وبدايات تظلُّ حبيسة في خاتم النفس الأخير.
لم تجد القصيدة معنىً لحياة
لم تجد معنىً لموت
تطيل الوقوف عند الوداع
لا يحتمل الشعر بلادة السرد
أو حبكة المسرح
حرًا سيمضي
بلا جدوى
بلا نهاية وبلا ذكريات.
تنهض الجنازة
وحدها تتمشى فوق رؤوس المشيعين
تفلت من كفنها
ترفع رأسها تشم قليلًا من الأوكسجين 
أين الأشجار التي كنت زوجها
أصحيح أن الهواء يموت
يُغسَّل 
يُكفَّن 
ويُدفنُ حيًا؟

مقالات ذات صلة

إغلاق