الأخبار الثقافيةمقالات

مرضى في الذاكرة.. طفل الداون

بقلم – دكتور نجوى محمد الصاوي:

فتّح أحمد عينيه الصغيرتين بعد ولادته في العناية المركزة للخدج في مستشفى حكومي بإحدى المدن الصغيرة ،  لإجراء تدخل جراحي سريع لإنقاذ حياته بسبب عيب خلقي في قلبه.

فولادته كانت في الشهر الثامن وجسمه هزيل ووزنه لا يزيد عن الكيلو ويعاني من متلازمة داون وله ستة أصابع في اليد الواحدة مثل والده .

بقي في العناية الفائقة لمدة ثلاثة أشهر، ولم يكن يزوره سوى والدته

فوالده رفض زيارته عندما علم بإصابته بمتلازمة داون مما زاد من ألم وحزن الأم فلم يكن الوالد يسمح لها بزيارته لفترات طويلة وتزيد متطلباته كلما عرف أنها ستذهب لزيارته لثنيها عن الذهاب،

فالوالد كان راتبه متواضع ويمر بضائقة مالية.

تحسنت صحة أحمد بعد مرور ثلاثة أشهر فاتصلت إدارة المستشفى على والده لاستلامه فرفض ذلك

مما زاد من كمد الأم التي تعلقت بطفلها والذي كانت تطلق عليه “الملاك البريء”.

لم تيأس إدارة المستشفى من التواصل على والده  يومياً والرد الذي تتلقاه رفض الوالد لعدم قدرته على الانفاق والتعامل معه،

مع الوقت  فقدت إدارة المستشفى الأمل في استجابة الوالد. اما الأم كانت كل يوم يتقطع قلبها عليه، وزاد من وجعها عندما منعها من زيارة ابنها. نشأ أحمد في المستشفى وكبر فيه فقد رعته وكفلته احدى الممرضات وكانت تصطحبه إلى منزلها للعب مع أولادها ومع مرور الأيام أصبح مثل  أخ لهم . لم تبخل عليه الممرضة بالرعاية والهدايا والاهتمام. وكان يبش عندما يراها ويحزن عند فراقها له. تعلق كل من في المستشفى بأحمد صاحب الوجه البريء والمضيء والشعر الأسود الناعم، لم يكن يراه أحد حتى يتعلق به، فلطافته وبراءته كانت وراء هذا الحب وربما يتمه المتعمد فلم يكن سوى طفل داون النوع الخفيف  يعني أقرب للطفل الطبيعي تخلى عنه والده.

وفي احد الايام قطع صوت سيارة الإسعاف بالقرب من باب المستشفى لعب أحمد مع الممرضة، وما أن وصلت سيارة الإسعاف وبها مصاب بحادث سيارة حتى هب الجميع لتقديم الدعم للمصاب بكسر في العمود الفقري والحوض، ترك أحمد ما بيده من ألعاب وتتبع المصاب وابتسم له وحياه بإشارة من يده فبادله المصاب ابتسامة منكسرة. أُجرى للمصاب عملية جراحية معقدة لكنها لم تنجح وأصيب بقطع في العمود الفقرة أدى إلى شلل نصفي ففضل الأطباء أن يبقى تحت الملاحظة لعدة أسابيع. شعر المصاب بالممل والضجر من عدم قدرته على التحرك ولم يكن يشعر بالتحسن إلا عندما يجلس في الحديقة الصغيرة الملحقة بفناء المستشفى لاحتساء القهوة واللعب مع أحمد الذي كان يصادف وجوده دائماً في الحديقة. ما أن يرى أحمد المصاب حتى يجري بلهفة باتجاهه فيطبع  قبلة على رأسه

ويبدآن في اللعب وتجاذب الحديث الذي بدد القلق وحالة الاكتئاب التي غشيته.

مرض زوجة المصاب منعها من زيارته، فقد أقعدها روماتيزم المفاصل عن الخروج من المنزل لكنها تحاملت على نفسها وذهبت لزيارة زوجها للاطمئنان عليه،

فزعت عندما ذهبت إلى غرفته ولم تجده، اضطرب قلبها وأحست بحالة من الفزع وبصوت مبحوح سألت عنه، فقالوا لها: يحتسى القهوة مع صديقه الصغير في حديقة المستشفى، توجهت إليه فسمعت صوت ضحكاته التي توقفت قبل سنوات، اقترب منها أحمد ورمى بنفسه في حضنها، تعجبت في البداية من شكل يديه وعدد الاصابع وانتباها شعور  الأمومة فكشفت عن صدره فرأت وحمة كبيرة على صدره بجانب عملية القلب التي أجراها عند ولادته احتضنته وصرخت بأعلى صوتها: ولدي أحمد.

مقالات ذات صلة

إغلاق