مقالات

المسودات… مصنع السرد

هذه المقالة مزعجة ومملة لكنها تعليمية من طراز رفيع وشديدة الأهمية بالنسبة للكاتب الجاد.
لا يتوفر وصف للصورة.
كتب أحمد إبراهيم أحمد
انتهي الكاتب من المخطط، وتجهز لبدء الكتابة، فصار عليه التوجه (لمصنع السرد) حيث سيضع أسس النص بتحديد زمان، ومكان، وشخصيات السرد، وتحديد الحبكة الرئيسية، وأحداث كل مشهد؛ من خلال كتابة مسودات معنية بالاهتمام بالملاحظات التالية:
1. سيندفع الكاتب في بداية الكتابة كقطار لا يتوقف، ويدع السرد يتدفق دون إصدار أحكام، ولا نظر للماضي، ويستفيد من خياله الإبداعي بلا قلق على الأسلوب، أو اهتمام بالتصحيح.
2. تثبيت أزمنة وأمكنة السرد، وتحديد تقنية معالجتها (هل الزمن كرونولوجي؛ أم به تشظ يعود به للوراء، أو توقعات مستقبلية؛ وهل المكان واحد أم أماكن مختلفة؟).
3. صياغة الحبكات والشخصيات الرئيسية، والفرعية، والأحداث، والعلاقات، والرموز، والعلامات، والوصف، والتنبؤ، والحرص على دقة بناءها، وتصويب أخطاءها.
4. يهتم بهيكل السرد، وتوازنه، ومدى اتساق عناصر سرعة الإيقاع، والأسلوب، والمفردات اللغوية، والتفاصيل، مع بعضها البعض.
5. تتم مراجعة اللغة، ومدلولات قاموس العمل في المسودة الأخيرة.
أسئلة حول المسودات
• كم عدد المسودات الواجب كتابتها؟
 يلزم خمس مسودات في الغالب الأعم.
• ما هو الوقت الذي يجب أن يفصل بين كل منها؟
 هو الوقت اللازم لاتخاذ موقف نقدي غير انفعالي مما كُتب.
• ماذا يجب التركيز عليه أثناء مراجعة كل مسودة؟
 التركيز على مهام محددة، تختلف من مسودة لأخرى، سيتم توضيحها فيما بعد.
• كيف تتحقق الاستفادة من وقت الكتابة والمراجعة؟
 بالمداومة على العمل وعدم الاستسلام لقفلة الكتابة Writer Block.
• أنى يمكن التراجع، ومتى يجب تجنبه؟
 يجب التراجع عند اكتشاف أخطاء في بنية عناصر السرد، وحذف الأخطاء أو تغييرها بلا تردد، وحذف الحبكات الفرعية التي تعيق نمو الحبكة الرئيسية، وتجنب التراجع والحذف حين يضر ذلك بالأحداث والحبكة الرئيسية.
ويستلزم ذلك أن يفكر الكاتب في هذه الأسئلة مع بدء الكتابة بمفهوم تفصيلي لإنشاء مخطط شامل، ثم تطويره مجدداً؛ أي أن البدء يكون بمخطط تقريبي، يُجسد تدريجياً بإضافة التفاصيل، والتعديل الذي سيستمر حتى نهاية العمل.
ويحتاج التعامل الذكي مع كل مسودة لوضع أولويات مختلفة، والتركيز على معالجة عناصر معينة في كل منها، وتنحية عناصر أخرى، لتناولها فيما بعد حتى لا يتورط الكاتب في تعديلات كثيرة في وقت واحد، ويستلزم ذلك تحديد هدف التعديل في كل مسودة، وتقنية الكتابة اللازمة، فيتوفر بذلك دليل تقريبي لزمن، وملخص كل مرحلة من العمل المتوقع.
المسودة صفر (مسودة الحذف).
تمثل هذه المسودة نقطة الانتقال من التخطيط للصياغة، والهدف منها وضع أسس بناء المسودة الأولى فتسمى لذلك (مسودة الحذف)!
ويعرف الكاتب الحذق أنها أولى المسودات التي يحررها وأنه لا يكتب روايته بالانتهاء منها فهي مجرد مخطوط افتتاحي، فالكاتب هنا كطفل يجمع الرمال على الشاطئ حتى يتمكن لاحقًاً من بناء قلعته، أو كما يقول أرنست هيمنجواي “المسودة الأولى مجرد هراء.”.
وليست (مسودة الحذف) سوى استكمال للمخطط، ولإبقاء هذا المفهوم واضحاً في ذهن الكاتب عليه كتابة (مسودة الحذف) بالفعل المضارع، والوصف وصفاً مباشراً لما يحدث؛ وقبل القيام بالحذف، يجب تخطيط حبكة السرد بالتفصيل، وتكوين فكرة جيدة عن المقدمة، وأحداث، وإيقاع السرد، وبناء الشخصيات، والأماكن والأزمنة، وملخص لكل مشهد مقترح، ويلزم عدم الوصف ما لم يكن مهماً للحبكة، وعدم القلق في هذه المرحلة بشأن بنية الجملة، وصياغتها البلاغية، أو علامات الترقيم، فكل ذلك سيأتي وقته لاحقاً.
المسودة الأولى
تعد كتابة (المسودة الأولى) تمريناً للكاتب، يمنحه حرية فضفاضةً لاكتشاف تفاصيل القص، فإذا لم يقلق، وسار مع تيار السرد، وسمح لخياله أن ينطلق… سيستمتع؛ إذ تعمل هذه المسودة عمل السقالات في البناء، وهدفها مساعدة الكاتب لكتابة المسودة الثانية فهي من يكشف له مشاكل عناصر السرد خاصة الحبكة، والشخصيات، وسيجد الكاتب نفسه بمجرد الانتهاء منها أكثر دراية بمشاكل الحبكة، وأين توجد تناقضات منطقية؛ مادية أو عاطفية بحاجة لمعالجة، وعيوب الشخصيات حين لا تتصرف بشكل موضوعي.
ويجب أن يكمل الكاتب (مسودة الحذف) قبل أن يبدأ في كتابة مسودته الأولى، ويعني هذا عدم التساؤل عما سيحدث في أي مشهد لأن لديه بالفعل الملاحظات الأساسية، ومن ثم يستطيع أن يكتب بحماس دون النظر للخلف؛ ودون إعادة كتابة الجمل الكليشيهات، وتكرار الكلمات، والنثر الرديء، والأخطاء الإملائية، فكلها مقبول! لماذا؟ لأنه لن يحتفظ بالمسودة الأولى!
يبدو هذا مؤلماً خاصة للكتاب الجدد الذين يعتقدون أن إنجاز المسودة الأولى هو الجزء الصعب من العمل؛ بينما الحقيقة أنها ليست أكثر من خطوة أولى لقمة الجبل، لن يتمكن الكاتب من تخطيها، والانتقال لما بعدها دون جهد؛ فمن الذكاء عدم إضاعة الوقت في القلق بشأن جودة هذه المسودة فبمجرد الانتهاء منها، سيفهم الكاتب قصته بشكل أفضل، وسيلغي فصولاً ومشاهد كاملة.
المسودة الثانية
يشرع السرد هنا في التبلور، ويبدأ يتشكل كبناء بنيت أعمدته، وبدأت عمارة حوائطه، صحيح أنه منزل من الطوب العاري، لكنه بدأ يتشكل، ويلزم للكاتب قبل كتابة المسودة الثانية الانتهاء من المسودة الأولى، وعمل ملخصات عن السرد بأكملها من وجهة نظر الشخصيات، والتفكير فيما يفعلونه بين المشاهد فهذا يساعد الشخصيات على التطور ككائنات بشرية متكاملة، ويضيف تحولات للحبكة مثيرة للاهتمام.
ويعتقد معظم الكتاب أن كتابة المسودة الثانية هي (السرد) وهذا صحيح لحد ما، إذ يبدأ فيها النظر لبني المشاهد، والموازنة بينها، وسرعة إيقاع الكتابة والأحداث، والأسلوب اللغوي، وتراكيب الجمل والمفردات، والعناية بالتحرير لإيجاد طرق جديدة مثيرة للاهتمام في وصف تفاصيل الحياة، والأحداث، والأشخاص في الزمان والمكان، ويعني هذا كتابة المسودة الثانية كما لو كانت المسودة النهائية التي سيقرأها القارئ رغم أن السرد وصل فقط لأقل من منتصف الطريق، فمن المحتمل أن يأتي مزيد من الأفكار والإلهام فيما بعد مناسبة لمشهد ما، فيجب الحفاظ عليها؛ لكن إن كانت تتعلق بمخطط فرعي، يحتاج للامتداد على طول السرد، فيجب التخلص منه لأنه يشتت الانتباه، فيمكن بهذه الطريقة الحفاظ على زخم السرد، وعدم الوقوع في دوامة جعل السرد مثالياً؛ فذلك لن يصل به للنهاية لأن الكثير يتغير خلال كتابة المسودة الثانية فمن الأفضل الانتظار حتى تنتهي هذه المسودة قبل الاهتمًام بكمال النص السردي.
المسودة الثالثة
تهدف هذه المسودة لتوسيع دائرة السرد فإذا استخدمنا نموذج بناء المنزل المستخدم سابقاً فالكاتب يقوم في هذه المرحلة ببناء السقف، وتكسية الحوائط ودهانها، وتركيب زخارف الجبس، وإطارات الأبواب، والنوافذ، ليظهر المنزل كمكان يمكن العيش فيه رغم أنه لا يزال بحاجة للمسات أخيرة، يمكن رؤيتها تتشكل هنا في المسودة الثالثة.
ويتعين قبل البدء في كتابة هذه المسودة العمل على اكتمال المسودة الثانية، وتعديل ما فيها فمن المحتمل الوصول لأفكار ملهمة أكثر، بإلقاء نظرة عامة على الحبكات الفرعية وتطورها، وإجراء مزيد من البحث على عناصر المعلومات، فسيجعل ذلك كل شيء سلسًا عند العمل على المسودة الثالثة التي يتيح العمل عليها للكاتب العودة لتعديل أي مقطع كلما أراد، فهو الآن بحاجة أن تكون كل كلمة في موضعها، والتركيز على حبكة فرعية واحدة، أو تطوير حدث معين يحدث طوال السرد.
ويلزم الحذر من فخ إعادة الكتابة مراراً، وإهمال الأجزاء المتبقية من السرد، وإذا فعل الكاتب ذلك؛ فعليه أن يحذر تعديل بداية السرد وثلثه الأول؛ حتى يمكنه رؤية الأجزاء اللاحقة جيداً، وقد يقوم بحيلة ذكية في هذه المرحلة وهي العمل على المشاهد، أو الفصول الأخيرة بادئاً من النهاية وحين يشعر بالاكتمال فعليه التركيز على الحبكات الفرعية، والشخصيات المتعددة، وجعلها تنبض بالحياة، واستخدام العلامات Semiotics وضمان تأويلها Semantics واحكام الوصف بلا ثرثرة، والعمل باستمرار على تحسين اللغة، وتجنب الكليشيهات، أو الاستخدام المخادع للمجاز، وحذف أي وصف وجمل أو كلمات مبالغ فيها، وحتى فقرات غير دقيقة، والتخلص من التكرار، والأحداث البطيئة وغير الضرورية، ودراسة العلاقات بدقة حتى تنذر بالذروة.
المسودة النهائية
انتهينا الآن من بناء المنزل، وجاء الوقت لعمل الديكور، وفرش الأثاث، لجعل المكان يصلح للسكنى، بإضفاء اللمسات الأخيرة، وترتيب الأجزاء المبعثرة… إنه وقت إعداد المخطوطة للقراءة والحصول على ردود الفعل من مجموعة كتابة، أو محرر محترف، وملاحظة أن تعليقات الأسرة والأصدقاء مضيعة للوقت إلا إن كانوا كتاباً، ويمكن الاستعانة بخدمات محرر محترف، للحصول على ملاحظات تقنية على كامل السرد وهذا شائع في الغرب، ويتيح تخطي أخطاء الكتابة قبل النشر، بدلاً من تلقي ردود فعل وآراء غير احترافية من أشخاص يأخذون العمل السردي في اتجاهات مختلفة، تناسب وجهات نظر غير تقنية لا تؤدي إلا لإرباك الكاتب.
ويحتاج بعض الكتاب لنظرة أخيرة لهذه المسودة بعد إجراء التغييرات المقترحة، والاهتمام بالتفاصيل، لتلافي نقاط الضعف والعيوب، وقد يستلزم الأمر تغيير نوع الخط وحجمه، وبناء كل جملة لتكون موحية وواضحة المعنى بلا لبس؛ ومن الأساليب المفيدة قراءة العمل بصوت عالٍ لأن ذلك يوضح الكلمات والجمل غير الدقيقة، واكتشاف الجمل المرهقة، ثم وضع علامات الترقيم في الاعتبار، والتحرير بصبر للوصول للنهاية بسلام.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق