أخبار المؤلفين والكتاب

“النيل في العصر البريطاني” وأسباب الصراع الحالي  .. أحدث الإصدارات

كتبت- هالة ياقوت

عن المركز القومي للترجمة،الكتاب صدر حديثا( النيل في العصر البريطاني)… يفسر كيف سبب الاستعمار البريطاني جذور الصراع الحالي حول مياه النيل، وكيفة استغلت الحكومات الأوروبية خلال فترات السيطرة الاستعمارية على القارة الأفريقية عموما، وفي حوض النهر بشكل خاص، في إدارة تقسيم مناطق نفوذ محددة لسهولة السيطرة عليها ،ومن ثم التحكم في مقدرات شعوب حوض النيل .

كما استخدمت مياه النيل عامل ضغط على حكومات تلك الشعوب سواء قبيل ترسيم الحدود من قبل المستعمر،أو بعد محاولات الشعوب خوض معارك استقلالها السياسي والاقتصادي على حد سواء.

ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب .الذي يقف بنا على حقيقة أسباب الصراع الحالي حول مياه النيل ،وذلك من خلال دراسة أحداث مهمة في السياسة العالمية لإدارة مياه النهر ،فكان إما التصعيد أو التخفيف من حدة عملية الصراع للسيطرة والتحكم في مياه النيل ،وذلك بما يتناسب مع سياسات الإمبراطورية البريطانية بالدرجة الأولى ،اذ إنها المتحكم الأساسي في المياه الى النصف الثاني من القرن العشرين

يبدأ الكتاب بضرب الأسطول البريطاني للإسكندرية واحتلال مصر في عام1882 ،وينتهي بهزيمتها الساحقة في حرب السويس 1956،وخطة بريطانيا السرية لخنق وطنية جمال عبد الناصر بتحويل مياه النيل الأبيض .وكما تجمع مياه النهر المتحركة بين الأرض والشعب في قصة لا نهاية لها يتعلق الجزء الأول من الكتاب بوصول الانجليز ،ومفهومهم لغزو الحوض ،ويقدم الفصل الأول تحليلا جديدا لسبب و أيضا كيفية سيطرة البريطانيين على الحوض بأكمله ،ويرسم الأثر الإقليمي لكون بريطانيا كانت تتحكم في عام 1904 في محيطات العالم ،وكذلك أطول أنهاره ،ويشرح الفصل الثاني كيف أنجز البريطانيون عند بزوغ القرن العشرين الحملة الكاملة للسيطرة على حوض النيل ،كما يقدم الرجلين الذين يقفان وراءها ،وهما وليام جاستن ،وكيل وزارة الأشغال المصرية لما يقرب من عقدين ،واللورد كرومر محرك السياسة المصرية منذ عام 1883 وحتى 1907 .

ويبدأ الفصل الثالث-من أهم فصول الكتاب – الذى اختار له المؤلف اسم “العصا والجزرة” بأثر ثورة 1919 المصرية على الإستراتيجية البريطانية ،وكيف أعيد ترتيب العلاقات بين مختلف الكيانات الثقافية والسياسية تحت تأثير هذه السياسة ،وكيف تغير شكل طبيعة الحوض ، ويبين من خلال الوقائع التاريخية كيف كان هذا المشروع جزءا لا يتجزأ من خطة بريطانيا لخلق سودان يستقل تدريجيا عن مصر .

ويورد المؤلف مذكرة سرية صدرت من الخارجية البريطانية لإعادة تقييم سياساتها عقب إعلان استقلال مصر أواخر 1922 ونصها:«في استطاعة حكومة صاحب الجلالة أن تهدد حكومة مصر بخفض مواردها المائية بعد إقامة خزان على بحيرة تانا بإثيوبيا وهو ما سوف يبعث القلق في قلوب المصريين ويهىء لحكومة صاحب الجلالة بعد انتهاء أعمال السد إدارة حكم مصر بشكل كبير للغاية» هكذا اعتبرت الإمبراطورية البريطانية أن تأديب مصر وإخضاعها يكون بالتحكم في النيل عن طريق خزان تانا بمنطق العصا والجزرة! بعد أن تبنيت إنجلترا أن سدود النيل الأبيض لن تؤثر سلبا سوى على 15% فقط من تدفقات المياه لمصر بينما سدود النيل الأزرق من بحيرة تانا بإثيوبيا سوف يكون تأثيرها أكثر سلبا على 85% من موارد مصر المائية.

من هنا اجتهدت الحكومة البريطانية لعدة عقود فى الحصول على حق بناء خزان على بحيرة تانا بإثيوبيا لإخضاع مصر سياسيا وتكتمت الاتصال بإمبراطور الحبشة «منليك» حتى توصلت معه إلى توقيع معاهدة 1902 التى نصت المادة الثالثة بها على «يتعهد جلالة الإمبراطور منليك الثانى ملك ملوك إثيوبيا لحكومة جلالة ملك بريطانيا ألا يبنى أو يسمح ببناء أى منشآت على بحيرة تانا أو النيل الأزرق أو السوباط قد تعرقل جريان الماء فى النيل إلا بالاتفاق مع حكومة جلالة ملك بريطانيا وحكومة السودان وذلك مقابل 10 آلاف جنيه إسترلينيا سنويا على أن يتم إيداع الدفعة الأولى وقيمتها 15 ألف جنيه بحساب منليك بالبنك الأهلى المصرى وهو ما يبدو أنه لم يلق رضاءه فتم سحب العرض وتأجل موضوع سد بحيرة تانا إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى بالرغم من محاولات إحياء معاهدة 1902 بمضاعفة القيمة السنوية إلى عشرين ألف جنيه إسترلينى لحساب الإمبراطور وإيداعها بنك الحبشة بدلا من الأهلى لزيادة السرية.

المدهش هو التناقض الغريب فى موقف إنجلترا من مصر والسودان، حيث ناصبت العداء لمصر بمحاولات خفض تدفقات نهر النيل لها واستبعادها تماما من أى مفاوضات مع إثيوبيا تتعلق بسد تانا حتى لا يكون لها أى حق فى المستقبل للحصول على مياه إضافية بينما سعت إلى زيادة موارد السودان المائية بهدف التوسع فى زراعة القطن بمشروع الجزيرة لصالح إمبراطورية تجار القطن ومصانع النسيج فى إنجلترا الذين تولوا بالنيابة عن حكومتهم التفاوض والتمويل لسد تانا المقترح مع إثيوبيا.

بعد ذلك يقدم الكتاب سياسات النيل بعد الحرب العالمية الثانية ،ويحاول أن ينظر التاريخ سد أسوان العالي ،ويقدم وصفا لخطط بريطانيا لاعالي النيل في أوغندا وجنوب السودان ،ثم التطورات بعد تأميم قناة السويس في يوليو 1956،بعد اعتبار الزعيم جمال عبد الناصر هو أخطر هجوم على مصالح بريطانيا الإستراتيجية في الشرق الأوسط.و قد حاولت الحكومة البريطانية استخدام تأثيرها السياسي والاقتصادي في حوض أعالي النيل ،لفرض سياسة بريطانيا ضد مصر ،وبحسب المؤلف،جرى تجاهل هذا الوجه من السياسة البريطانية في كثير من الدراسات ،والسير الذاتية حول الموضوع .

ويتعرض الجزء الأخير من الكتاب لميراث سياسات النيل البريطانية،حيث يعرض التطورات التي حدثت في حوض النيل بعد العصر البريطاني ،وكيف تأثرت بالماضي الاستعماري ،ويعتبر هذا الجزء من أكثر الأجزاء أهمية حيث يرصد أن الصراعات حول مياه النيل لم تنته بأفول الإمبراطورية البريطانية ،فبعد هزيمة لندن القاسية في العدوان الثلاثي ،وظهور أوغندا وكينيا وتنزانيا وبوروندي ورواندا وزائير المستقلة في الستينات اكتسبت سياسات المياه في الإقليم أهمية متزايدة في أية تحليلات عن التنمية الإقليمية بصفة عامة .

وأخيرا يظهر الكتاب أن ميراث المرحلة الاستعمارية ما زال موجودا ،وبقوة ،فيما يتعلق بموضوع تقاسم المياه والتحكم فيها ،وأن الاستعمار خلق اثأرا اجتماعية باقية بين شعوب الحوض حتى اليوم ،وحتى اليوم تظل الاتفاقات التي ساهمت بريطانيا في توقيعها تنظم تقاسم المياه في الحوض.

الكتاب من تأليف ترجي تفيدت الأكاديمي النرويجي الشهير ،وهو أستاذ الجغرافيا في جامعة برجين واستاذ التاريخ العلمي بجامعة أوسلو بالنرويج ،من مؤلفاته “نهر النيل البريطاني “،”تاريخ المياة”،”نهر النيل في عصر ما بعد الاستعمار” و”رحلة في مستقبل المياه “.

مترجم الكتاب ،سعد الطويل،عمل مترجما في اليونسكو والأمم المتحدة ،من ترجماته ، “في مواجهة دافوس “،”مناهضة العولمة”،”الأصولية اليهودية” و “خطية إسرائيل الأولى”.

تحرير المادة التاريخية لداليا سعد الدين ،باحثة في الشئون الأفريقية،حاصلة على الماجستير من معهد البحوث والدراسات الأفريقية،لها عدد كبير من الأبحاث الأكاديمية في الشأن الأفريقي.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق