غير مصنف

إمبراطورية الدم .. كتاب جديد يكشف الوجه الحقيقي للعثمانيون في المنطقة العربية

كتبت-هالة ياقوت

صدر حديثا عن السلسلة الثقافية لكتاب اليوم ” امبراطورية الدم” تأليف الكاتب والباحث د. أسامة السعيد ،الذي يكشف فيه عن حقائق الوجود التركي في المنطقة العربية عبر قرون ويؤكد المؤلف أن الكتاب محاولة لقراءة ما بين سطور الماضي الذي تثير عواصفه رمال الحاضر المحتقن في صحاري العرب، لتنقشع تلك الغمامة التي يريد الجهال والعملاء والمتلاعبون بالعقول أن يضعوها على أعيننا وعقولنا، وأن يهيلوا التراب على كل الحقائق، ليطمسوا الطريق الذي شقه أجدادنا بأرواحهم ودمائهم من أجل استقلال أوطاننا، ويعيدوننا إلى الوراء خمسة قرون كاملة إلى عهد الأغوات والخصيان وحريم السلطان!!

الكتاب حافل بالحقائق التاريخية وانعكاساتها على أرض الواقع، وبخاصة حقائق الممارسات التاريخية التركية في إهدار دماء العرب واستنزاف ثرواتهم، والتضحية بهم في مغامراتها الخاسرة على الساحة الدولية، وكيف يعيد أردوغان اليوم تلك الممارسات التاريخية الدموية في بلداننا العربية، تحت ستار العثمانية الجديدة، التي وللأسف الشديد تجد لها العديد من الدراويش والمسبحين بحمدها، والمخادعين المتلاعبين بالعقول.

يتضمن الكتاب عشرة فصول تتناول تاريخ الوجود التركي في المنطقة العربية على مدى خمسة قرون منذ الغزو العثماني للمنطقة في ١٥١٦، وانعكاسات ذلك التاريخ التي يقول المؤلف أنها لا تزال ممتدة إلى اليوم، وان ما تشهده المنطقة من تحركات تركية للاستيلاء على أراضي وثروات العديد من الدول العربية، ليس سوى محاولة لإعادة إحياء المشروع العثماني القديم تحت مظلة “العثمانية الجديدة”، التي يتبناها نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ويعتمد على استغلال الأوضاع السياسية المضطربة في العديد من دول المنطقة لإختراق تلك الدول والهيمنة على ثرواتها ومقدرات شعوبها.

ويناقش الكتاب العديد من الأفكار التي روجتها العثمانية الجديدة والتيارات الإسلامية المتحالفة معها حول حقيقة الوجود التركي في المنطقة، ومن بينها أن سيطرة الدولة العثمانية على المنطقة العربية كانت “فتحا”، وهو ما يتناقض مع مفهوم الفتح الذي أرساه الإسلام للأراضي التابعة لدول وشعوب غير مسلمة، إضافة إلى أن الحكم العثماني كان يتنافى مع مفهوم “الخلافة”، وهو المفهوم الذي جرى ترويجه على نطاق واسع من جانب القوى الإسلامية، في محاولة لاستغلال المكانة الروحية التي يثيرها هذا المفهوم في وجدان ملايين المسلمين.. ويفند الكتاب بالأدلة التاريخية زيف تلك المزاعم العثمانية.

كما يخصص الكتاب فصلا كاملا لتناول علاقة العثمانيين بالقضية الفلسطينية، وهي القضية التي يشير إلى أنها واحدة من أكثر القضايا التي تم استغلالها لدغدغة مشاعر ملايين المواطنين العرب، من خلال اتخاذ مواقف تركية حماسية ضد إسرائيل في العلن، في مقابل سياسات وتفاهمات تركية – إسرائيلية، دفعت بالعلاقات الثنائية إلى مرتبة العلاقات الاستراتيجية، وأصبحت بموجبها أنقرة، وفي ظل حكم حزب العدالة والتنمية هي الشريك الأكبر تجاريا وعسكريا لتل أبيب.

ويوضح الكتاب أن موقف أردوغان وإصراره على تعزيز التعاون مع إسرائيل، ليس سوى امتداد لتاريخ طويل من العلاقات الحميمة بين الأتراك والإسرائيليين، فقد كانت تركيا ثاني دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بالدولة الصهيونية، وذلك عام ١٩٤٩، إضافة إلى إنحياز تركيا للعلاقات مع إسرائيل على حساب العلاقات العربية.

كما يكشف الكتاب عن حقيقة التواطؤ العثماني مع الحركة الصهيونية وتورط الباب العالي في بيع الأراضي التي أقامت عليها الحركة الصهيونية العديد من المستوطنات الأولى على الأراضي الفلسطينية.

واستعرض الكاتب  في أكثر من موضع بالكتاب طبيعة العلاقة بين تركيا ومصر عبر مراحل تاريخية مختلفة، وكيف كانت مصر هدفا دائما لتآمر الأتراك، ومحاولة القضاء على الدور المصري في المنطقة، أو على الأقل تهميشه، وذلك من خلال التآمر بصور مختلفة على مصر وطمس شخصيتها القومية.

كما يكشف الكتاب العديد من الحقائق حول الاختلافات الجوهرية بين المشروع التركي الذي يتبناها نظام أردوغان، وبين المشروع المصري الذي تجسده ثورة ٣٠ يونيو، وكيف أن كل منهما ينظر للمنطقة وللثوابت السياسية الأساسية نظرة مختلفة تماما، وأن تركيا تتعجل الصدام مع مصر، لأنها تدرك أن استعادة مصر لدورها الإقليمي بقوة، يمثل العقبة الرئيسية أمام تنفيذ مشروع العثمانية الجديدة.

ويتطرق الكتاب إلى استعراض العديد من الحقائق التي تمثل إضاءة مهمة لمجريات الأحداث المعاصرة، وبخاصة ما يتعلق بالدور التركي في التآمر على مصر في قضية مياه النيل منذ عام ١٩٥٨ والدور التركي في مساندة رفض تمويل إنشاء السد العالي، مرورا بالتآمر مع أثيوبيا آنذاك لحرمان مصر من مياه النيل، وصولا إلى التعاون التركي الحالي مع أديس أبابا لإنشاء سد النهضة، وتعطيش مصر، تماما كما فعلت في مشروعات السدود على نهري دجلة والفرات للتحكم في حياة سوريا والعراق.

ويتابع السعيد.. بينما العالم يسابق الزمن للفوز بالمستقبل، نجد كثيرين في منطقتنا العربية وحولها، لا يريدون لنا سوى الارتداد إلى الماضى فالبعض يريد الارتداد إلى الماضي تحت عباءة الدين، والبعض الآخر يريد إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، بحثا عن إرث بغيض ولى بغير رجعة.

ويشيرالمؤلف إلي أن منطقتنا العربية لن تنطلق إلى مستقبلها إلا عندما تتخفف من عبء الراغبين في العودة إلى الوراء، سواء عن طريق تنظيمات “الإسلام السياسي” التي تمارس حرب تضليل لا تهدأ لخداع البسطاء بشعارات الدين، واستثارة المشاعر الدينية من أجل مصالحها السياسية، وتزيف وعي المخدوعين بأن الإسلام لا يقوم إلا ببناء “الخلافة” وكأن الإسلام لا يصلح لبناء المستقبل، ولا يمكن أن “ينهض” إلا بتوليهم السلطة

فالكتاب يمثل صرخة استفاقة ووعي، في وجه الكذابين والأفاقين والمتواطئين مع الاحتلال أيا كان جنسه أو لونه، فكما قام “المتأسلمون” بعدما زالت دولة العثمانيين، وتحالفوا مع الاحتلال البريطاني، وارتضوا النوم في فراش أمريكا ليلا، وسبها في تظاهرات النهار، هاهم اليوم يرتمون في فراش “الأغا” الجديد، حالمين بأن يعودوا إلى السلطة في ركاب “الخليفة المزعوم”، لكنهم ربما لم يقرأوا التاريخ ليعرفوا مصير أمثالهم، الذي عبر عنه المصريون بعبقريتهم الفريدة، وحكمتهم العميقة، في ذلك المثل الشعبي البسيط الذي يصف من يخدمون الغزاة :”آخر خدمة الغز.. علقة”. ويضيف أنه أراد أن يكون الكتاب محاولة لاستعادة الوعي، واستدعاء التاريخ لفهم بعض حقائق الواقع، لنعرف حقيقة المعركة التي تجري على أرضنا العربية، وحجم ما يحاك لنا، وأبعاد الهاوية الذي يريدون أن تنزلق إليها المنطقة.

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق