الأخبار الثقافيةمقالات

حسابات النقد الأدبي

بقلم- ياسر عبدالعزيز العرينان:

في البداية يجب تعريف النقد بمفهومه الصحيح وبحسب قاموس المعاني فإن فعل النقد يتصرف في عدة صور ( نقد، ينقد، نقدا، فهو ناقد ) والمفعول منقود ، فحين يقال نقد الدارهم أي فرزها وفرقها وعدها ليعرف قيمتها، و النقد الأدبي بحسب قاموس المعاني هو علم يبحث في طبيعة الأعمال الأدبية وخصائصها وقيمتها الفنية مما يعني أنه يفترض في الأصل جودة المنقود ويكمن دور الناقد في إبراز قيمته الجوهرية من تفنيد أفكار النص وتسليط الضوء على مكامن قوته وجوانب تميزه وشرح مفصل لأفكاره بطريقه تسهل على المتلقي البسيط ادراكها واستيعابها ليتأمل جماليته ويستوعب حيثيات النص ومقاصد الكاتب ، حيث كان الناقد عونا وعكازا يتوكأ عليه الكاتب في سيره على طريق النجاح ولا يستغني عن دوره الفعال في دعمه وتوجيهه وفق منهجية علمية تتوجها خبرات عملية في المجال تصب في مصلحة المؤلف فترتقي بالكاتب نحو مستوى جديد من التألق والإداع، ولا أعلم كيف تحول هذا الدور النبيل والأصل الإيجابي في عملية النقد إلى الجانب السلبي منه وحسب فأصبح الناقد عبارة عن جلاد يهدد بجوانب الضعف في النص وذكر السلبيات !.

ظاهرة إلكترونية جديدة أخذت بالظهور في الآونة الأخيرة والتفاقم السريع بطريقة ملفتة ، فنلاحظ بالفعل ظهور وانتشار حسابات على شبكات التواصل الإجتماعي بأسماء وهمية وقليل منها بأسماء حقيقية ، تدعي تخصصها في نقد وتقييم الكتب والمؤلفين من وجهات نظر أصحاب الحسابات وأهوائهم الشخصية ملقين بالحيادية عرض الحائط ودون أن يدعم نقدهم أي شهادة إختصاص ولا تجربة شخصية أو حتى خبرة أدبية أو لغوية تخوله النقد وتسمح له بالخوض في أدق تفاصيل المؤلفات والتعريض بالمؤلفين سوى أنهم وجدوا الساحة خاوية من الرقابة تحت سقف الحرية الشخصية الإلكترونية ، و وجد أغلبهم في هذا المجال باباً لزيادة المتابعين كوسيلة تشبع هوس الشهرة في البداية وتمكنهم من الوصول لغاية الربح المادي في نهاية المطاف من خلال الإعلانات المدفوعة على حساباتهم النقدية الإلكترونية .

ولأن طريق الشهرة مظلم ومسدود اذا أشاد الناقد الإلكتروني بقلم صغير أو مؤلف مغمور وفكرته الجديدة حيث أن الإشادة ستسلط الأضواء على المؤلف وتهمش الناقد صاحب الحساب ، لذا أصبح النقد السلبي والبحث عن الخلل ومواضع الزلل ونقاط تكون محل لسوء الفهم أو تحتمل التفسير على محملين هي الطريقة المثلى للفت الإنتباه وجذب الأضواء فيتبعهم الجاهلون ظناً منهم أن أصحاب هذه الحسابات لهم نظرة نقدية ثاقبة بخلاف حقيقتهم وأعمارهم التي لاتصل سن المراهقة في كثير من الأحيان خلف الأسماء المستعارة من الهواة!.

ويمكن تحديد الضرر الحقيقي من هذه الظاهرة في محورين رئيسيين :

الأولى: أن أصحاب هذه الحسابات بعد تكوينهم لقاعدة كبيرة من المتابعين أصبح بمقدورهم دعم كتب خاوية وأفكار مبتذلة بمدحها بطريقة تضمن لها النجاح وأن تكون على رف الكتب الأكثر مبيعاً وذلك مقابل ثمن مادي تحت مسمى دعم المؤلف، فيظن المتابعين أن الكتاب بالفعل جيد ويستحق الإقتناء ومحصن ضد النقد السلبي حتى لو وجده المتلقي مجرد كتاب عادي حتى لا يخالف الرأي السائد الذي طرحه صاحب الحساب.

الثانية: أن مثل هذه الحسابات أصبحت من أهم أسباب إحباط الكُتاب المتميزين الجدد وزيادة طريق نجاحهم عقبة جديدة بالإضافة لعقباتهم وهي تجاوز هذا السد العالي من حسابات التقييم والنقد وهذا الكم من المؤلفين الميسورين الذين أغرقوا الساحة بأوراق ملطخة بالحبر يسمونها “مؤلفات” حتى يشار لهم بالبنان ويقال مؤلفين وذلك على حساب أقلام حقيقية تكاد تُكسر بسببهم .

وبالتالي أصبح الكاتب الحقيقي أكبر من النقاد أصحاب مثل هذه الحسابات ونقدهم المتغطرس ، ومجرد عرض النص عليهم لنقده هي أكبر إهانه للكاتب الحقيقي ونصه وتلك حقيقة لمستها على مستوى شخصي حين وجدت أقلام قويه جدا لمؤلفين مغمورين لا يكاد يستوعبها عقل النقاد فيوفيها حقها كأن يحكم على ملحمة أدبية بأنها مجرد رواية أخرى! ، و أن يتهم شاعر ما بأن القصيدة التي كتبها ليست له مما يضطره لكتابة قصيدة جديدة تحوي في مطالع أبياتها أحرف إسمه الثلاثي حرفا حرفا فقط ليقنعهم بموهبته كما فعلت دون جدوى تذكر، وأصبح النقد البناء من الأساطير مالم يكن المؤلف ذو قلم مشهور وشخصية معروفة مسبقا تملك بذلك حصانة ضد النقد السلبي فيتحول المتسلقون للنقد الإيجابي .
ومما زاد الطين بلة والمريض علة ظهور مجموعات في الآونه الأخيرة تحت مسمى “مساعدون الكتاب” يعرضون خدمة كتابة النص والسرد والحوار بعد أن يتفضل الكاتب بإعطائهم الفكرة و هذا مقابل اجر مادي يشتري به قلمه ، فتهالك جسد الأدب العربي.

وفي الختام جدير بالذكر أن الناقد يمكنه رفع اقلام مبتورة الحبر مكسورة المحبرة ويخسف بأقلام موهوبة فغصت الساحة بروائيين لا يملكون سوى كتابة جملة مفيدة دون العلم بأساسيات كتابة الرواية من أدبيات اللغة وسرد وحبكة نتيجة تحول الحسابات من حسبات أراء شخصية أدبية إلى حسابات تقييم ونقد.

مقالات ذات صلة

إغلاق