إبداعات

عذراء أسيوط

تذكرنا هذه الرواية للكاتب “كوستي ساجارادس”، بالكثير من الأفلام العربية القديمة، بسيطة الحبكة، التي تجمع علي فتاة في مطلع العمر الفقر و اليتم و الجمال، و تنتهي إلي أن يستبيحها كل الأقوياء، عمها تاجر الحشي، و قائم مقام المدينة، و محاميها، بما يرمز كل منهما إلي العدالة،و كذلك الإقطاعي.

هربت من البيت الذي يدرب مثيلاتها على الدعارة محاولة تفادي أن تكون بغيا، بحثت عن مأوى فانتهت إلى استغلال جنسي مركب في صورة متحضرة لا تختلف عن صورة الجواري القديمة، إلا أن هذه الجارية لا تباع و تشترى، و لكنها تفقد المأوي بنهاية السيد تبحث عن مأوى جديد يقيها الانتهاك القاسي العمومي الذي تنتهي إليه أمثالها مهما كان تعلقهن بالفضيلة،لتصبح برغبة أو بغيرها محظية حيث تتم العلاقة غير الشرعية بأسلوب لطيف،نفس أسلوب المستعمر الأوروبي في إستعمار المشارقة.

تدور أحداث الرواية عام ١٩١٩ حيث ثورة سعد زغلول،لكنها تمثل صورة للحراك الجماهيري مختلفة في أسيوط عما رسمته الرواية لهذا الحراك في روايات أخري.

هنا تترافق مع الثورة فوضى شبه مخطط لها تقوم بالسلب و النهب و التحطيم، الإنجليز يفاجئون المتظاهرين بالمدفع و بالطائرة التي تقذف القنابل،ضحايا بالمئات ثم محاكمات تنتي بالكثير من الإعدامات.

و تظل رغم كل ذلك المرأة و موقعها الإجتماعي محور العمل الفني،تبقى المرأة في هذا العمل الكآئن الذي يشترك الرجال في البحث عندها عن المتعة و الإنجاب و ينسون أنها كائن حي مثلهم،من حقها أن تطور نفسها و دورها الإجتماعي كالرجل سواء بسواء،في هذه الرواية حتي الوطنيين،و رفيعي الثقافة و التأهيل من خريجي الجامعات الأوروبية لم يختلفوا عن باقي قطاعات المجتمع إلا بالأسلوب لا بالجوهر.

حبكة الكتاب البسيطة ليس فيها ما يثير ، لكن ما حول الرواية هو المهم، فالكاتب أديب يوناني، كان رئيسا للجالية اليونانية في أسيوط، كنت مثلا أظن أن الجاليات الأوروبية و خاصة اليونانية إتخذت من الإسكندرية و القاهرة فقط مكانا و لكنك هنا تراها في اسيوط،بل ظهر من هذه الجالية أدباء كالمؤلف الذي ظهرت روايته هذه عام ١٩٢٤ م.

يصف أسيوط نيلها،و آثارها الفرعونية و ترعة الإبراهيمية،وصفا شائقا،يتحدث فيه عن قصورها الحديثة ذات الهندسة البطلمية التي تبز بجمالها مباني القاهرة و الإسكندرية،ثم يذكر عن قناطرها ما يجعلها شبيهة بقناطر القاهرة.يذكر أنه في ذلك العام كان فيها ثلاثة مستشفيات،كما يتحدث عن أفلاطونيس اليوناني الذي كان مقيما فيها في التاريخ الذي ظهر فيه بطليموس و أرسطو.

الرواية تعريف جيد بأسيوط و بأحوالها الإجتماعية مطلع القرن العشرين،و أظن أنه هنا يكمن الجمال فيها.

مقالات ذات صلة

إغلاق