إبداعات

دون حرب أهلية

قصة للكاتب النيجيري تشينوا أشيبي (١٩٣٠-٢٠١٣)، تحكي القصة عن فترة الحرب الأهلية في نيجيريا، والتي اندلعت مابين ١٩٦٧ وعام ١٩٧٠، حيث انهزمت فيها قوات المتمردين المنتمين إلى جماعة (الإجبو) والتي أرادت الانفصال عن الحكومة النيجيرية آنذاك. ينتمي الكاتب عرقيا إلى تلك القومية المتمردة، كما أن جل كتاباته تتمحور حول الحرب، والدين، والامبريالية البريطانية في أفريقيا، وجاءت من ترجمة خالد العجماوي.

يعتبر جوناثان أجوبو نفسه محظوظا جدا، إذ شاءت الأقدار أن يحافظ على حياته في هذا العالم. كما استطاع أن يظفر بحياة زوجته ماريا، وأولاد ثلاثة من أصل أربعة، وأن يستعيد دراجته القديمة، والتي صادروها إبان ذروة الحرب. لايزال يذكر عندما وقف أمام ضابط هزيل ذي نجمتين مخيطتين على قميص رث، والذي نفرت من فوهة حذائه المثقوب أصابع قدميه الداميتين، وقد استل هو من حقيبته جنيهين، كانت ماريا قد ادخرتهما لشراء مدفأة، فابتاع وجبة سمك وذرة، ليهبها للضابط الذي بدا عليه الحبور والرضا، وهو يعيد إلى جوناثان دراجته. في تلك الليلة ذهب جوناثان إلى الأدغال، ونبش في التراب عند قبر ابنه الصغير، ثم دفنها بجانبه في سلام. بعد عام من أفول الحرب رجع ونبشها من جديد. وجدها كما هي. ابتسم وهو يشحمها بزيت النخيل ويتمتم “لاشيء يعجز الله!”

صار يستخدمها كوسيلة نقل لجنود البافاريا وعائلاتهم، حيث ينقلهم عبر الطريق الممتد لأربعة أميال حتى يستطيعوا الوصول إلى أقرب طريق ممهد. كانت الرحلة تكلف الرجل البافاري ستة جنيهات. في غضون أسبوعين، كان جوناثان يمتلك مائة وخمسين جنيها بافاريا.

لما عاد جوناثان إلى منزله في مدينة إينوجو لم يصدق عينيه. فركهما وهو يحدق مذهولا. كانت معجزة جديدة! كان بيته الطيني الهزيل لايزال قابعا في مكانه، وقد تعرى من شبابيكه وأبوابه الهزيلة، بينما ذلك البيت الخرساني الكبير، والذي لا يبعد سوى أمتار قليلة، قد استحال إلى كومة من الأنقاض!

التقط قطعا من الحديد والخشب وألواح الكرتون التي تناثرت في الأرجاء. ساعده أحد النجارين المعدمين يحمل مطرقة قديمة وبضعة من المسامير الصدئة، ليحيل تلك الأخشاب والكرتون إلى شبابيك وأبواب مقابل خمسين جنيها بافاريا. استطاعت العائلة أخيرا أن تعود إلى بيتها القديم، محتفظين برؤؤسهم فوق أكتافهم، وفي قلوبهم نشوة وبعض أمل.

شرعت العائلة في استكمال حياتها الجديدة؛ الأطفال يقطفون ثمرات المانجو ويبيعونها لجنود الجيش حولهم، والأم تصنع الفطور للجيران. أما جوناثان فكان يستخدم دراجته للذهاب إلى القرى المحيطة، حيث يشتري نبيذا من نوع جيد، ثم يخلطه بالماء الذي صار يجري مجددا من خلال الصنابير بعد انقضاء الحرب. افتتح حانة في الأخير كي يبيع فيها نبيذه الرخيص للجنود المنتصرين، وبعض سكان المنطقة الذين لازالوا يملكون بعض المال.

لم ينس وجوه أولئك البؤساء الذين زاملوه في منجم الفحم. من حين لآخر كان يذهب إلى هناك، يعملون طيلة النهار، ثم يذهبون آخر اليوم دون مأوى. يعيشون في العراء، ويفترشون السماء، ويأكلون ما قد يحصلون عليه من طعام في تلك العلب المعدنية الصغيرة. كم أنت محظوظ يا جوناثان!

مرت الأيام حتى كاد جوناثان أن ينسى. شحت زيارته إلى المنجم حتى أصبحت مرة كل أسبوع، فأسبوعين، ثم انعدمت وقد انشغل بحانته الصغيرة.

ثم حالفه الحظ مجددا. استطاع جوناثان أن يبدل عشرين جنيها حكوميا بما لديه من جنيهات بافارية قديمة. كانوا يطلقون عليها “منحة الحكومة الجديدة”، يقف الجميع في طوابير طويلة منتظرين تلك الهبة الكريمة.

كانت ثروة عند جوناثان لا يستهان بها. كمشها في جيب بنطلونه في حرص. لايزال يذكر ذلك الرجل المسكين الذي انتابه الجنون والبكاء أمام الناس بعد أن سرقه أحدهم في الطابور. ولم يشفع له بكاؤه ولا جنونه حين لامه بعضهم على إهماله. أخرج الرجل جيبه فوجدوه مثقوبا بحجم يسمح بمرور لص! أصر الرجل أنه لم يضعها في ذلك الجيب، وإنما في الجيب الآخر. حين أخرجه اكتشف أنه مثقوب كذلك.

زاد جوناثان من حرصه بعدها. كمش المال في كفه اليسرى، ثم دفن يده داخل جيبه الأيسر. أبقى كفه اليمين طليقا للسلام، ظلت عيناه مفتوحتين في طريقه نحو منزله الصغير وقد حدق في السماء كي لا ينظر إلى الوجوه الجائعة.

حاول جوناثان تلك الليلة أن ينام. ظلت أذناه يقظتين وقد انسدل سواد الليل حتى كاد يسمع أنفاس الجيران. حاول حتى دهمه النعاس أخيرا..

– ما هذا؟

تنبه بغتة على صوت قرع قوي على باب بيته، وصوت زوجته تسأل في فزع. قال في خفوت حذر:

– لست أدري.

عاد القرع بقوة مجددا حتى كاد الباب الهزيل أن ينخلع. قال بصوت متهدج:

– من هناك؟

جاءه صوت بارد كالصقيع:

– نحن الشياطين. افتح الباب..

انهال القرع على الباب كوابل مطر.

صرخت ماريا في فزع مجنون:

– لصوص! النجدة..الشرطة..سنموت..سيقتلوننا.

ساد بعض الصمت حتى ظن جوناثان أنهم قد ابتعدوا، ثم عاد ذلك الصوت يقطع سكون الليل:

– هل انتهيتِ يا امرأة؟ نستطيع نحن أن نساعدك..

انطلقت أصوات عدة زاعقة تصرخ في سخرية:

– شرطة! ..لصوص! أيها الجيران أنجدونا..

بدا وكأنهم خمسة رجال يتحلقون حول منزل جوناثان.

كاد الرعب أن يفتك بقلوب العائلة. انتحبت ماريا وأطفالها بصوت مرتعش مكتوم. ساد صمت كأنه من عمق الجحيم، وقد خالطه أنفاس جوناثان المتلاحقة. توسل جوناثان في الأخير إلى الرجل كي يتكلم..قال الرجل:

– صديقي..يبدو أن الشرطة نائمة. لماذا لا تنادي على الجيش؟ ها؟ أليس الجيش أفضل؟ هل أناديهم نيابة عنك؟

انطلقت الصرخات المستهزئة من حناجر الرجال. ليسوا خمسة. ربما عشرات!

اصطكت أسنان جوناثان من الخوف. ارتعشت ركبتاه وقد جف حلقه تماما. قال بصوت متحشرج:

– لا داع.

– حسنا..إذا كنت قد فهمت الأمر إذن فدعنا نتكلم بموضوعية. بزنس. ما رأيك؟ نحن لا نحب المشاكل. أوه أنت تعلم المشاكل لا تنتهي. ولكننا لسنا لصوصا سيئين. كما أن الحرب قد انتهت. أو لم تنته يا رفاق؟

صدرت همهمات صاخبة حوله.

قال جوناثان متوسلا:

– أنا فقير جدا..كل ما أملكه ذهب مع الحرب..تعرفون أولئك الذين يملكون المال. اذهبوا إليهم..

– حسنا إذن.. نعرف أنك تملك القليل، ولكنا لا نملك حتى الفتات. لذلك أنصحك أن تفتح هذه الخرقة التي على شكل شباك، وأن تدفع لنا بمائة جنيه صافية. وقتها سنذهب، أو إن لم تدفع سنضطر أن ندخل بيتك الجميل، وأن نقوم بعزف مقطوعة صغيرة..

قالها وقد انطلق صوت الرصاص من كل صوب حول المنزل. انتحبت ماريا وأطفالها بصوت مسموع.

– أوه يا عزيزتي لا داعي للبكاء. نحن جيدون. فقط ناولينا مائة جنيه وسوف نذهب.

قال جوناثان وقد اعتصر قلبه ألما:

– لست أملك مائة جنيه. صدقني..

– صدقني أنت يا رجل. لو دخلنا منزلك لن نكون جيدين أبدا. لو أردت سنبحث نحن نيابة عنك..

بدأ جوناثان ينتحب. قال في توسل :

– صديقي..أقسم أني لا أملك مائة جنيه. لو أنك دخلت منزلي ووجدت مائة فاقتلني في الحال. كل ما أملكه عشرون جنيها أخذتهم اليوم هبة من الحكومة..

– امممم..حسنا..افتح الشباك وناولني العشرين..

زمجر الجمع خارجا في غضب، وقال أحدهم “كاذب”..” دعنا ندخل”

صرخ الرجل آمرا:

– اخرسوا جميعا.

توقفت همهماتهم بغتة. صرخ في جوناثان:

– هيا أسرع وناولني العشرين.

تحسس جوناثان طريقه عبر الظلام، وقال في خوف يشوبه امتنان:

– حالا حالا..

مع أول شعاع للضوء، تجمع الجيران حول منزله مواسين، تجمعوا وفي نظراتهم شيء من خجل.

كان جوناثان يقوم بملء قواريره ويضعها خلف دراجته كي يذهب إلى الحانة، وزوجته تتعرق أمام لهب النار وهي تصنع فطور الصباح للجيران، بينما كان ابنه الكبير يقوم بتنظيف زجاجات النبيذ القديمة..

– لا يهم..

قالها جوناثان وهو يضع القوارير خلف الدراجة، وحوله العيون تواسيه.

– كانت مجرد منحة..هبة من الحكومة. هل فعلت لأجلها الكثير؟ هل تساوي ما فقدته في الحرب؟ فلتذهب الهبة إلى الجحيم إذن!

نظر إلى عيون الجيران حوله، وأردف:

– لا شيء يعجز الله!

مقالات ذات صلة

إغلاق