إبداعات

خمسة عشر عاما في سجون أمريكا

بقلم- دكتور صالح الشحري:

تلك هي مذكرات الكويتي ياسر البحري عن حياته فى سجون أمريكا ، دخلها بتهمة ملفقة ،هى اغتصاب إحدى العاملات فى المقهى الذي يملكه ، تجربة مرة يرويها فى هذا الكتاب المرعب (خلف الأسلاك الشائكة، كويتى 15 عاما فى سجون أمريكا )، الكتاب يدور حول ثلاثة محاور، أولا عن العدالة الهشة فى محاكم أمريكا ، و ثانيها عن سجون أمريكا ، أما ثالثها فعن التجارب الغريبة التى حدثت معه داخل السجن.

مقالى هنا فقط عن المحور الثانى أى عن سجون أمريكا، حيث يصبح البريئ مجرما ، و يزداد المجرم اجراما ، أما السجان فهو يعلم الآخرين كيف يحترفون الجريمة. أصل المسألة نزع الإنسانية من قلب السجان، و نزع الصفات الإنسانية عن المسجون لتتيح للسجان أن يتصرف ببشاعة يرعاها القانون، تنقل ياسر بين سبعة سجون فى فلوريدا أي حيث يطبق القانون الامريكى ، لم يكن فى جوانتانامو التي جمعوا فيها المسجونين الذين لا يراد لهم أن يحظوا برحمة القوانين الأمريكية، لكن السجون في البلد الأصل فريدة في السوء .

《حين وصلنا الى سجن الولاية، اطل السجان قائلا:اريد منكم النزول واحدا تلو الآخر و النظر الى الأرض طوال الوقت، فإن نظرت إلي أعلى فسأكون أنا آخر ما تراه فى حياتك》 ليس مسموحا أن تقول إلا: نعم يا سيدى ، يصدر الأمر أخلع ملابسك كلها، لا تبق شيئا ، تردد أحد المساجين ، إنقض عليه أربعة من السجانة، كل يضربه و يركله بلا رحمة، ثم قاموا بسحبه إلى الحجز الإنفرادي ليكملوا تعذيبه ،ثم عاد السجانة و قال أحدهم 《سوف تدفعون ثمن ما فعله ذلك الزنجي》أصبحت العقوبة جماعية ، الوقوف عراة لساعة كاملة في منتصف الساحة ، درجة الحرارة تقارب الصفر. الضرب المبرح متداول ، وعادة ما ينكسر ضلع أو ضلعان ، يستمرون فى الضرب إلى أن تتطاير الأسنان ، لفت نظرهم أحد السجناء المزمنين إلي جرة زجاجية مملوءة بالكامل تحتوي على أسنان المحكومين الذين لم يتبعوا قواعدهم و قوانينهم!

بعد أن قام السجانة البيض، الشواذ منهم و غير الشواذ بالفرجة على المساجين العراة كيوم ولدتهم أمهاتهم ، قام بعضهم بحذف الملابس للمساجين، سروال أبيض داخلي قصير، غير مغسول ، إسود لونه من شدة القذارة ، قميص و بنطال ، كلها تم استعمالهما من قبل من قٍبل عشرات المساجين دون غسل، جوارب تحول لونها إلى الأخضر من شدة القذارة ، فيها ثقوب من كل جانب ، وهذه هي الملابس الدائمة ، التي تعطى لكل المساجين في سجون فلوريدا ، شتاء حيث درجة الحرارة منخفضة و صيفا حين ترتفع درجات الحرارة، و قد تكرر ذلك مع ياسر فى السجون السبعة التى مر بها ، بعد ذلك يتم الفحص الشامل لكل سجين و قد يشمل ذلك فحص الشرج .

في فلوريدا نحو مئة سجن تتبع الولاية هذا غير سجون المقاطعات و السجون الفيدرالية ،فى كل منها حوالي ألف سجين، تخصص حكومة الولاية سبعين دولارا مقابل طعام السجين الواحد يوميا ، يعطى السجين ثلاث وجبات تكلف حوالي نصف دولار، أين يذهب باقي المبلغ؟ بالمناسبة هناك مجموعة شركات فى أمريكا متخصصة فى بناء السجون و إدارتها ، وتوجب عقودها مع سلطات الولاية أن تقوم بشغل الأسرة بنسبة لا تقل عن 90% و هذا يعنى أن تقوم الشركات بالبناء و أن تقوم الحكومة بتأمين المسجونين!.

بعد الاستقبال يتم الإنتقال إلي غرفة السجن ، قبلها يقوم أحد السجانة بتصوير السجين، و بينما يقرأ معلوماته: أول مرة، ماذا فعلت أيها الأخرق؟ هل إغتصبت أختك ؟ أغرب عن وجهى.

بعض السجون فيها ملاعب و مكتبة و مطعم و كانتين و يوجد مبنى كنيسة للعبادة وممارسة الطقوس الدينية. ، هناك مكان مخصص لصلاة الجمعة، يجب أن تحصل على تصريح تحرك من سجان العنبر لتتاح لك الصلاة.

تخضع للتفتيش قبل دخول المكان للتأكد من عدم حيازة أسلحة ، السكاكين تصنع محليا داخل السجن، يتقدم سجناء سود على رؤوسهم طواقى بيض ، يحمل بعضهم سجاجيد الصلاة الملونة ، و بينما هم يصطفون للصلاة قدم سجان أبيض ،و راح يصرخ فى وجوههم و يأمرهم بالتوجه نحو أحد الشبابيك الجانبية ، و بدأ هو و مجموعة من السجانة الآخرين بتفتيش المسلمين و إهانتهم، يستعملون كل الكلمات البذيئة.

يحتفظ المسلمون بالوقار ، و أخيرا يُدخلون إلى مكان الصلاة ،أُديت الخطبة و الصلاة، الإمام قضى عشرين سنة فى السجن ، حفظ الكثير من آيات القرآن والأحاديث داخل السجن لم ير مسجدا غير مسجد السجن في حياته، بعد الصلاة المسلمون يتعانقون مبتسمين، توجه واحد نحو الأمام وبسرعة أخرج من بنطاله سكينا محلى الصنع، و طعنه فى رقبته و صدره و وجهه ثم هرب ، الإمام فارق الحياة في عملية إغتيال نظمها زعيم إحدى العصابات لسبب غير معلوم.

هنا تُوزع التهم جزافا ، أصبح ياسر أحد المتهمين بالقتل ونقل للحبس الإنفرادي ليعيش مع تحقيق مزر و زنزانة تمتلئ أرضها بالبراز الآدمى ويقطر سقفها ببول مسجونين من الدور الأعلى، و ما أن ظهرت براءته حتى نقل إلى سجن آخر. هذه المرة إلى سجن القرن.

في سجن القرن يتنافس المساجين على الخدمة فى حظيرة الخنازير ، زنازينه لا تحوى أى فتحات تهوية و لا أي تبريد ، مبنى بطريقة تجعل حرارة داخل الغرفة صيفا تزيد على الخمسين درجة مئوية، مات فى سجون ولاية فلوريدا ثلاثة عشر شخصا عام ٢٠١٣ بسبب الحرارة ، حظائر الخنازير مكيفة تكييفا مركزيا ، محظوظ من ينظف الحظيرة من براز الخنازير، اذ سيتمتع بهواء تكييف مركزى لا يفوز به الآخرون فى غرفهم.

يسمح لسجين سجن القرن بتناول طعامه فى مطعم ، قائمة طعامه شديدة الجاذبية ، ما لم يأكله السجين خلال خمس دقائق يتم رفعه عنوة و الإلقاء به فى سلة المهملات ، اللحم الذي قدم فى سنوات سجن ياسر كان لحما صناعيا مصنوعا فى مختبرات الدولة ، اسمه TVP ، إنسانية الأمريكان أدت بدولتهم لصنع هذه البروتينات فى مختبراتها لتساهم في حل أزمة الغذاء العالمي ، المنتج يشبه براز القطط الناشف لا يمكن طبخه الا بعد نقعه بالماء، لم يتمكن الأمريكان من تسويقه خارج أمريكا ، و السبب أضراره ، اضطرت المختبرات المصنعة إلى كتابة عبارة ،غير صالح للاستهلاك الآدمى.

بكل بساطة أصبح هذا اللحم يباع إلي السجون، يشعر آكله بمغص شديد و إمساك غريب يجعله يتلوى من الألم، بينما تنتفخ أمعاؤه بغازات تخرج مع صوت عال و رائحة تثير التقزز.

مع الوقت رفض السجناء أكله، بدأت السجون تخسر، إذ توقف أصحاب مزارع الخنازير عن شراء مخلفات أطعمة المساجين بسبب رفض الخنازير أكل تلك اللحوم الصناعية، أخيرا و مع التكلفة الكبير على مدار سنوات لعلاج المساجين الذين تضرروا من هذا الطعام تم منعه. هذه هي أخلاق أمريكا المشتهاة ! ياسر تم ضبطه و هو يتحدث فى المطعم فقام السجان بأخذ صينيته المملوءة طعاما، ثم سكب ما فيها على رأسه و طرده من صالة الطعام.

بسبب ما يتعرض له المساجين المسلمون من ظلم أصبح لإبن لادن شعبية كبيرة بينهم، و صورته يرسمونها وشما على أجسادهم يفاخرون به ،احدهم اقترب من صاحبنا يريد أن يتصل بابن لادن حتى يستعمله فى تفجير الأمريكان، و عندما رأى الاستغراب قال :لقد سجنونى ظلما عشرين عاما،حرمونى من حضور جنازة أبى و أمى أنا جاهز لتفجير نفسى بهم.

بناء على نصيحة بعض زملائه من المساجين المسلمين الذين انتخبوه أميرا لهم طلب ياسر الإنتقال إلى سجن واكولا ،كان معرفة السجانة بأنه الزعيم يعرضه لتحرشات عنصرية ،كما اعتقد زملاؤه المسلمون أن وجوده فى كوالا سيفيد المسلمين بالتعليم الدينى وتوفير الكتب الاسلامية ، سجن واكولا أحد السجون الامريكية المبنية على الإيمان والدين ؟! وهذه هى مجموعة من السجون جعل مؤسسها هدفه وقف زحف الإسلام فى سجون أمريكا. مؤسسها تشارلز كولسين ،عضو سابق في إدارة البيت الأبيض أيام نيكسون، كان يعرف بلقب البلطجى لأنه كان المسئول عن الأعمال القذرة كالإبتزاز والاستغلال ضد أعداء نيكسون. بعد عزل نيكسون أدين كولسين بإختلاس أموال الدولة و التهرب من دفع الضرائب و سُجن ثلاث سنوات، في السجن ألف كتابا اسمه المسيح ولد من جديد. و خرج بفكرة هذه السجون و لقى دعما من آل بوش، و أكثر المتبرعين له أريك برنس المالك الأصلى لشركة بلاك ووتر الأمنية التي ارتكبت الجرائم العديدة فى العراق.

بعد أن تمادى السجانة فى تعذيب السجناء، صدر قانون بعمل إجراءات فى حالة حدوث أى شغب، أولا عليهم تصوير الشغب ثم تحذير السجين و محاولة إيقافه ، ثم استخدام العنف ، يتفنن السجانة في استفزاز السجناء بطريقة تظهر الكاميرا رد فعل السجين و لا تظهر المستفٍز، حصل مثل هذا الأمر مع ياسر مرة في سجن مايو، دخل السجانة يرشون الغاز المكون من غاز مسيل للدموع و غاز السعال، و غاز الرائحة الكريهة و الغاز الحارق للجلد ،و اطلاق هذه الغازات فى غرفة صغيرة مغلقة يزيد الأمر سوءا، بعدها المفروض إلقاء المعذَب في ماء بارد لتخفيف احتقان الجلد، و لكن السجانة يلقونه فى الماء الحار فيصبح السجين و كأنه دجاجة يتم طهيها ، تتدخل الممرضة فإن قالت بعد فحصه أنه بخير، أي أنه لا يحتضر،تعود جلسة التعذيب بعد نصف ساعة.

تقوم مقايضات بين السجانة و بعض السجناء ،تهدف الى قتل سجين آخر أو اغتصابه و التحرش به أو اتهامه بأنه جرذ أي أنه عميل للشرطه لتتم تصفيته من قبل السجناء ، وأحيانا يضعون فى ممتلكات السجين آلات حادة أو مخدرات ليتم القبض عليه متلبسا و يواجه عقوبات أخرى. و احيانا تقوم مقايضات أخري، فبالمال يعرض الجنس مع بعض السجانات.

فى سجون أمريكا ٨٠% من المساجين سود بينما ٩٨%من القضاة و المحامين والمدعين العامين و رجال الشرطة من البيض الأوروبيين. و عقوبات السود على نفس الجريمة تزيد بنسبة ٢٠% عن البيض.

ما ذكرناه فقط غيض من فيض مما رواه ياسر البحرى عن تجربته فى سجون أمريكا، و ما لم نذكره لا يقل اهمية، كلها تقول أن عدالة امريكا حديث خرافة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق