إبداعاتالأخبار الثقافية

عودة للديار

قصة صينية- ترجمة، اماني السيد:

يُحكى أن هناك فتى اقترف خطأ، فضربه والده ليلقنه درساً، فحزن الفتى حزنا شديدا وهجر الدار. فهو فتى مدلل وعنيد لم يضربه أحد والديه مسبقاً، لذا لا يمكنه تقبل هذا الأمر بسهولة” إلى أين ترحل! عد سريعا!” وكان هذا الصوت الذى يصدح

بالأرجاء هو صوت والدة الفتى وهى تصرخ مناديه عليه وهى مَشْغُولُة البَالِ عليه، أخذت الأم تصرخ وتنادى عليه مراراً وتكراراً لكن بلا جدوى فالفتى الآن اِسْتَبَدَّتْ بِهِ سَوْرَةُ الغَضَبِ. كانت الأم تركض خلف ولدها وتناديه فهى تريد إعادته للدار، لكن أوقفها الأب بلهجه حازمة لا تقبل النقاش قائلا لها: دعيه يرحل فهو لن يعد! لن يعد أبدا!.

ترامت هذه الكلمات لمسامع الفتى، فشعر بإهانة كبيرة وتعاظمت سَوْرَةُ غَضَبِه ولم يتمالك رباطة جأشه وضاق صدره، فهرول مسرعاً باتجاه الغابة. وظل يسير بها لفترة من الزمن، مر خلال هذه الفترة بغابات كثر وتسلق عدة جبال ومر بعدد لا حصر له من جداول المياه؛ واستمر هكذا حتى بلغ جبل يقطنه عمالقة من البشر.

لم يتناول الفتى خلال الأيام الماضية سوى بعض الفواكة البرية الجافة وهى لا تملأ البطون فى الأساس. فوصل به الأمر أن طرق باب أسرة وطلب منهم أن يمنوا عليه بشيء ليتناوله. وكانت هذه الأسرة مكونه من زوج وزوجته. قال الفتى للزوج: ضللت طريقى بالغابة منذ أيام ولم أتناول شيء” فرَقَّ قَلْبُ الزوجُ لِحالِهِ وأحضر له من فوره طعاماً و نبيذا سَائِغ المذاق ليتناولهما.

فقال الفتى وهو شارد الذهن ” ياليتنى كنت عملاقا مثلك” رد عليه الزوج” ما من مشكلة بالأمر! فإن تصير مثلى ليس بالأمر الجلى” دهش الفتى من الجواب وتسال “كيف يمكنه أن يصير هكذا!” فأجابه الزوج : “سترضعك زوجتى بعض من حليبها حتى تكبر وحينها ستدرك كيف نحن عمالقة هكذا.” كانت الزوجة سعيدة للغاية وهى تضم الفتى لصدرها فى حنان وكأنه طفل صغير ترضعه. مرت فترة قصيرة على هذا الوضع فكان الفتى يرضع من الزوجة، والزوجة سعيدة بخداعها للفتى. حتى قشط الفتى فأخذت الزوجة تمسد على ظهره وهى تقول له” اِرْضَعْ بتروَّى، فأنت بحاجة إلى مزيد من الحليب” فما أن سمع الفتى حديثها حتى ثار غاضباً. وتوقف عن شرب الحليب. وقال لها بصوت هادر:” لا يجب أن تخدعيننى هكذا فأنا رجلاً كبيراً” وهنا نهضت الزوجة سريعاً ولم تقو على كتمان ضحكاتها هى وزوجها أكثر من ذلك.

مرت أيام وأشهر واظب فيهم الفتى على شرب الحليب حتى صار عملاق كالزوج. وبعد أن صار عملاق، بحث لعدة أيام عن مكان بالجبل يمكنه أن يقطن به، حتى وجد مكان خلاب بالجبل يطل على النهر، فعزم على العيش به، ليعيش بهذا المكان عيشه هنيئه هادئة منذ هذه اللحظة. بعد أن عزم الفتى قراره على العيش بهذا المكان، أحضر أحجار كِفايَة لبناء داره كما أحضر أشجار ضخمة، وشرع فى بناء داره مستخدماً الأحجار فى بناء الجدران والأخشاب فى صنع النوافذ، وما إن اكتمل بناء داره حتى حمل حزمه كبيرة من الأخشاب وسار بها للسوق ليبتاعها نظير مبلغاً من المال، واشترى بهذا المال مستلزماته جميعها؛ من أغطية للنوم ومناشف وجه وغلاية وطاسة وعيدان الطعام وأدوات زراعة الأرض وغيرها من المستلزمات. فقد كانت الأراضى على ضفاف النهر خصبة وصالحه للزراعة، فاستصلح قطعة أرض وقام بزراعتها، كما بنى حظيرة ربى بها بقرة ومجموعة من الخنازير و سِرْب من الدجاج.

تنفس الفتى الصعداء أخيراً من بعد كد وكدح وهو يقول” ها أنا أخيراً سأعيش سعيداً مرتاحاً” قالها الفتى وهو مستلقى على الفراش فى سعادة متأهبا ليسبح فى نوم عميق لبضعة أيام حتى ينال قسطا من الراحة، فلا بد وإن تعلم بأنه كان مشغول للغاية خلال الفترة الماضية، فكان يقضى يومه يومياً من الصباح حتى المساء فى شقاء وعناء.

أما عن والده، كانت لحظة طرده لولده ماهى سوى لحظة غضب فى حقيقة الأمر، فلم يمر على رحيل الفتى سوى عدة أيام حتى اشتاق له والده شوقا عتيّا. ونرى هذه الأم التى تصرخ بقلب مكلوم وتتقىء من فرط شجنها، فلازمها القلق على ولدها بكل لحظة وثانية، فهى قلقه حيال أمره لاتدرى أهو جائِع أم شَبِعٌ ! ينام الليل أم يجافيه النوم!.

وفى هذه الفترة، شعر الفتى بالقوة وكبر وصار رجلاً فولازيا خلال فترة قصيرة، وحينها كان الحزن يَنْهَش فى قلب الأب نَهْشاً، لذا عزم الأب أمره على استعادة ولده مره ثانية حتى وإن اضطرب إلى أن يجوب بلدان العالم أجمع.

فتنهد الأب بعمق تنهيدة تنم عما بفؤاده من ألم وحسرة فلم يكن بحسبانه قط حدوث مثل هذا الأمر المؤسف، ارتدى الأب زوج من الأحذية الخشبية التى صنعت خصيصاً له من قبل أسطى المجداف الخشبى وانطلق.

سار الأب بغابات شاسعة وجبال، فكان يسير يومياً من الصباح حتى المساء، لانه عازم فى قرارة نفسه على إيجاد ولده باكراً، لذا لم يشعر بالكلل قط، فبمجرد أن نفذت الحبوب الجافة التى أحضرها معه، بحث عن بعض الفواكه الجافة بالغابة، وما إن يقابل امرؤ حتى يطلب منه أن يعطيه صدقه.

واستمر بحثه عدة سنوات، لكنه لم يشعر بالكلل قط، فهو يعتقد بأنه بحث فى بلدان عدة لذا لابد أنه قريب من ولده، وسيجده قريباً، فقد مر الكثير ومابقى سوى القليل.

استحال الأب نحيفا كعيدان الخيزران، فقد كان يتناول الفاكهة الجافة، وينام بالخلاء، كما صار شعره اشعث طويل يكاد يغطى جسده بأكمله فهو يصل لركبتاه، فيجعل من يراه يظنه سمين.

إلى اللقاء في المرة القادمة مع الجزء الثاني من قصتنا “عودة للديار”

مقالات ذات صلة

إغلاق