مقالات

وردة بغداد تسقيها ندى

رواد العوام

أمر شاقٌ بلا شك أن تحول النهر إلى قصيدة أو أن تحول الفراشة إلى صورةٍ شعرية أو أن تحول التاريخ المثقل بالصراعات إلى طبق شهيّ على مائدة القارئ، لكن الأكثر مشقة أن تحول مدينة محترفةً بصناعة التاريخ المجيد للبشر إلى لوحةٍ حيَّةٍ من الألوان.

بغداد العظيمة طالما تبحث عن لغة محايدة تكتبها، وعن كاتب يملك قلباً حياً، وقلِّةٌ من تنجح بكتابة بغداد كما يليق ببغداد، فمدينة لا تعترف سوى بالهيبة، ولا تعترف أن تتعامل مع التاريخ إلا بندية الماجدة العراقية. ولئن كان لكاتب التاريخ أفق محدود في التعامل مع التاريخ كزمن فيه حدثٌ مضى، فقد كان لازماً أن يتصدى لمهمة كتابة التاريخ الحقيقي للمدن كاتب الأدب الحقيقي. الكاتب الذي يضفي الروح على الحجارة ويلون الحدث الأبيض والأسود بألوان الطيف. ويرى ما يعجز الآخرون عن رؤيته.

ثقيل هو حمل التاريخ لهذه المدينة، فأزقة غارقة بالدم والانقلابات والصراع على السلطة، ولكن الحقيقة لا يمكن أن نراها بعين واحدة، ولا من زاويةٍ واحدة، والكاتب المحترف من يملك عين القناص في الأدب، والحقيقة تقول أن بغداد بعين ندى الشعيبي رؤيةٌ متقدمة لبغداد في عيون الآخرين.

نص كمهرٍ يركض على ضفة دجلة، وقطعة أدبية راقية تغويك بخفتها، رائعةٌ بمحتواها. تدورأحداثها في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد وتمتد حتى وفاته وحكم ولده المأمون من بعده. وردة بغداد قصةٌ غنيةٌ بأحداث تاريخيةٍ واجتماعيةٍ مشوقة، مادتها التاريخية ثريةٌ ودقيقة وبعيدةٌ عن الرتابة، بعيدةٌ عن بروباغندا المستشرقين وأحادية الرؤية، تشد القارئ وتغني مخزونه الثقافي.

حكاية خمس صديقات جمعت بينهنَّ صداقة متينة ورابطة قوية، إحداهنُّ عائشة، ابنة عبد الرحمن الحساني، الوزيرالأعلى في بلاط هارون الرشيد، وهي التي تروي تفاصيل هذه القصة، وتحتكر السرد حول حياة البطلات الأخريات: لطيفة ابنة الخليفة الرشيد، وزينب ابنة فضل بن الربيع وزير الخليفة، ومنيرة ابنة القائد المشهورعلي بن عيسى، وزهراء. ولكلّ واحدةٍ منهن حكايتها الخاصة.

تبرع ندى الشعيبي بإيهام القارئ بالواقعية، ممسكة أدوات السرد كما يمسك الجراح مبضعه، فتشق جسد التاريخ لتتفتح منه وردة بغداد التي يعبق النص بعبيرها. فلا يدري القارئ أين مبدأ الخيال وأين مبتدأ الواقع، حيث تبدأ الحكاية بسرد قصة والدي عائشة وتعارفهما وزواجهما، والظروف التي رافقت هذا الزواج وتمجيد مناقب أمها وصفاتها الطيبة. ثمَّ تتوالى الأحداث وتكبرعائشة، ويتم اختيارها مع ثلاث فتياتٍ أخريات ليكونن زميلات دراسةٍ ومرافقاتٍ لابنة هارون الرشيد، الأميرة لطيفة. فتنشأ صداقةٌ مميزةٌ وفريدة بين الفتيات الخمس وتستمرطيلة فترة حياتهن. يتبادلن خلالها الزيارات ويقضين أجمل الأوقات وتنطبع في ذاكرتهن أجمل الذكريات. وهنا تزخر القصة بالأحداث اللطيفة.

ثم تلتقي عائشة، والتي أطلق عليها اسم وردة بغداد لشدة جمالها، أثناء ترددها على قصر الأميرة لطيفة بالشيخ أحمد، وهو أحد أصدقاء العائلة المالكة، وهوشابٌ وسيمٌ ولطيف. يتبادلان الحب، وتشاء الأقدارأن يتزوجا، وذلك بعد رفض عائشة الزواج من ابن عمها والذي يدعى زيداً. يعيشان حياةً سعيدةً وبهيجة، مليئة بمشاعر الحب والغرام. ثم ينفصلان بعد معرفتها بزواجه بأخرى، ونقضه لعهدٍ كان قد قطعه لوالدها، ليتبين بعد ذلك بوقتٍ طويل سبب إقدامه على نقض العهد. ثم تروي لنا تفاصيل زواجها من ابن عمها زيداً الذي عاملها وولدها بالكثيرمن الحب والمودة.

تزخرالقصة بكثيرمن التفاصيل والأحداث الشيقة، وتأتي على ذكرالعادات والتقاليد المتبعة في ذلك الزمن، والملابس والأزياء الخاصة بتلك الفترة، كما تركزعلى الفخامة والترف في الملابس والمجوهرات والأثاث. وتسهب في تفصيل الملابس التقليدية الخاصة بتلك الحقبة. إضافةً إلى التنويه إلى فن العمارة ونماذج البناء المتبعة في ذلك الحين. و تسرد في جزءٍ كبيرٍمنها أحداثاً تخص الخليفة هارون الرشيد وحاشيته ورحلات الحج التي كان يقوم بها وما كان يرافقها من إسرافٍ واضحٍ، إضافةً إلى الحاشية الكبيرة التي كانت ترافقه وكذلك مظاهرالبذخ والتبذير التي كان سمةً لعهده، وكذلك زوجته زبيدة والأعمال العظيمة والمبادرات القيمة التي قامت بها وساهمت في إنشائها فخلدت اسمها وطيبت ذكرها. وتذكرفي كثيرٍ من التفصيل العلاقة بين أبناء الخليفة، الأمين والمأمون، وخلافهما على العرش من بعده ومقتل الأمين، وسلسلة التحالفات والخيانات والأسماء البارزة في تلك الأحداث من وزراء وقادة جيشٍ وحلفاء. كما تقارن بين بغداد في عصر زهوتها وعظمتها وثرائها الذي حققته في عهد الخليفة هارون، وكيف تحولت إلى بغداد المدمرة المنكوبة والفقيرة بسبب الحرب الأهلية والصراع بين الأخوين وما جره على بغداد من نكبات ومحن.

تنمو شخصيات النص بين الأحداث بطريقة مذهلة وتمسك الشعيبي بيد بطلاتها وتجرهن بين الفصول وكأنهن ورود يكبرن ويتفتحن ويكبر وعيهن، وعلى طريقة المبدعين في الكتابة الإبداعية ستقرأ الشخصيات وهي تتطور بوعيها ولسانها وكلماتها مع امتداد زمان النص، وستشهد كقارئ كيف تتغير الشخصية وتنمو وتتغير محاكماتها الفكرية بين فصل وآخر.

تتعمق الصلة بين الصديقات الخمس وتستمراللقاءات والزيارات ويتزوجن جميعهن. منهن من كانت زيجتها موفقة ومنهن من لم توفق. وتصف القصة زفاف الأميرة لطيفة المهيب والمكلف وتتناول وجوه البذخ والإسراف. وتحدثنا عن هروب إحدى الصديقات الخمس وتدعى زهراء، بسبب ظروف زواجها السيئة، وحادثة مقتلها أثناء رحلة هروبها، والأثرالعميق الذي تركته هذه الحادثة في نفوسهن، ليتبين في هذا الجزء من الحكاية مدى وفاء وإخلاص الصديقات الخمس لبعضهن البعض.

تمر السنون وتكبرعائشة وتنجب من زيدٍ أيضاً، ثم يقتل أخويها في المعركة الدائرة على الخلافة. و تنتقل وأفراد أسرتها إلى البصرة طلباً للأمان. وهنا يبدأ الجزء الثاني من القصة. وفي البصرة، يموت أحد أولادها وهو الصغير، تاركاً إياها في كربٍ شديد. ثم تعود وتلتقي بزوجها الأول الشيخ أحمد الذي يقيم علاقات عملٍ مع زوجها الحالي زيد بالرغم من رفضها لتلك العلاقة، ثم يمرض زيد ويموت، فتحزن وتتألم لفقده. ثم تتحدث عن مبادرة مفاجئةٍ تقوم بها زوجة أحمد والطريقة التي تعاملت بها عائشة مع تلك المبادرة والتي تنم عن شخصيةٍ فريدةٍ ونبيلة.

وفي جزءٍ آخر من القصة، تلتقي عائشة أيضاً بعرافةٍ فتتنبأ لها ولأولادها بمستقبلٍ يحمل لهم الخيروالسعادة والتميز والمكانة العالية، وتنشأ علاقة طيبة معها فيقومون بزيارتها والتعرف إلى ظروف حياتها، كما يروي هذا الجزء الخاص بتلك العرافة أحداثاً مسليةً وممتعة. وتتطور الأحداث وتتوالى، ثم ترضخ عائشة لرغبات قلبها، فهل تعود لزوجها الأول؟ هل تعود إلى بغداد المتعبة؟.

فصول العمل الأخيرة هي زبدة النص وانفراجات صراعات القوى والأيام التي تتعرض لها البطلة حيث تتحدث الفصول الأخيرة عن إنجازاتهم معاً لرد الجميل لبغداد ويظهر شعورهم القوي بالانتماء، كقيامهم بإنشاء مؤسسةٍ تعليميةٍ لتعليم ورعاية الأيتام والمشردين الذين كانوا ضحيةً للحرب الأهلية، وقيام أحمد بتمويل هذه المشاريع التي تلقت الكثيرمن الدعم والتبرعات من تجاربغداد وأثريائها وكذلك من الأميرة زبيدة.

لن أتكلم أكثر عن الأحداث لأن جمالية الدهشة في هذا الجزء من العمل عالية جداً وخصوصاً أن شكل الانفراجات في النص غير متوقعة. والخط الذي تنتهجه الكاتبة مغاير لما قد يتوقعه القارئ. كما تذكر القصة العديد من التفاصيل التاريخية الخاصة بعهد الخليفة المأمون، ونظرية المعتزلة وتوجهه لفرض مبادئها وتعاليمها على الرعية بقسوة ووحشية أحياناً، وفشله في ذلك الأمرفي نهاية المطاف. وتأتي على ذكرالأسماء والشخصيات التاريخية البارزة والمشهورة في هذا الصدد.

الكتب الرائعة تلك التي تذوبك في شخصياتها وتدخلك لعالمها وتوهمك بواقعيتها حتى تكاد تمشي في الطرقات وتفكر بأبطالها. وأنا شاء الزمن أن أقرأ وردة بغداد وأنا مقيم فيها ومنذ قرأتها وأنا أبحث عن وردتها في كل الشوارع التي أعبرها، فبغداد العظيمة التي كانت الشمس تستأذنها لتبزغ عرفت ندى الشعيبي باحترافية الأديب ونظرته الثاقبة للمشهد كيف تصنع من تاريخها لوحةً ملونة ومن نسائها ورداً يزين جيد الأدب.

مقالات ذات صلة

إغلاق