إبداعات

طبيب أرياف

بقلم- دكتور صالح الشحري:

قال المأمور: ما الذي يجعلهم يخوضون كل هذا الجحيم من أجل أن يذهبوا إلى بلد اخر؟ ما الذي يدفعهم للانتحار الى هذه الدرجة؟ مم يهربون ؟ سمعت صوت الجازية تقول : يهربون من قسوتكم، الحياة قاسية بشكل عام، و لكنكم تزيدون من قسوتها.

يقول في صرامة: نحن نطبق القانون على أناس لا يعرفون معنى القانون، زناة و قوادين, مزورين و محترفي سطو، ترد الجازية بعناد: كل هؤلاء يفلتون من ايديكم بسهولة، إنكم لا تمسكون إلا بخناق الضعفاء الذين يعيشون على الفتات و تريدون أن تشاركوهم هذا الفتات.

زمجر المأمور في غضب: أنت مجرد غازية لا تعرفين شيئا عن القانون. ردت: أنت على حق، و لكنى أعرف شيئا واحدا يقوله جد كل الغجر: إن كل هذه القوانين وجدت أيام الفراعنة، تغير الزمان و استدلر، و ذهب كل الفراعنة، و لكن بقيت القوانين لأنكم بقيتم، أنتم صنعتم الجحيم الذي يهرب منه كل الناس.

الحوار الذي يظهر في الصفحة قبل الأخيرة من هذه الرواية المذهلة للأديب الطبيب محمد المنسى قنديل يكاد يقول كل شيئ عن هذه الرواية المذهلة، طبيب خريج حديثا يذهب لخدمة الوطن في الريف حيث العيادة المجمعة، و العيادة المجمعة هي إحدى بقايا الحقبة الناصرية، اذ صممت لاجتذاب الأطباء الى الريف الذي يعاني من فقر في الخدمات الطبية لزهد الأطباء في العمل فية، تبنى وحدة تضم منزلا لائقا بالطبيب، وعيادة و مجموعة من الموظفين في القطاع الطبى بين ممرضين وعاملين صحيين، معظمهم من أهالى المناطق القريبة.

لقد اجتذبت مثل هذه الوحدة بعض الروايات أو جاء الحديث عنها في مذكرات مثل مذكرات الدكتور محمد أبو الغار أو مذكرات دكتور نجيب الكيلانى، صممت هذه الوحدات لتؤدي خدمة متميزة للفلاحين و لكن اعترى اكثرها ما يعتري الكثير من مراكز العمل البعيدة عن العاصمة، فهي تصبح مكانا لاستغلال بعض القوى المحلية بالتواطؤ مع الطبيب، و هناك مجال للتقصير والتسيب، وأهم من ذلك اكتشافنا أن الخدمة الصحية حتى لو كانت مثالية فإنها لا تكفى للنهوض بالريف ، عندما تغيب الثقافة الصحية، وتغيب سلطة الدولة إلا ما له علاقة بالأم ، و تغيب دوائر المجالس المنتخبة.

فإن النتيجة مواطنون يذوون، ينتظرون الموت، ليس لديهم أمل، و أهم من ذلك أنهم يتوارثون امراضهم الإجتماعية، ينقلبون بسرعة من الود إلى الهياج إلى التقاتل عندما تُمس أي من ثوابتهم التى لا يفكرون في جدواها و مدي عقلانيتها، كما نراه هنا في حكاية الخياط القبطي و الأرملة المفروض عليها ان تنتظر الموت حتى لا تتفتت ثروة زوجها الراحل بعيدا عن ورثته من أبناءه، و الأنكى تواطؤ ممثل الدولة لإخفاء الجريمة.

يبدع قنديل فى تقاسيمه على الفجوة الضخمة في علاقة السلطة بالناس الذين يعيشون على الهامش، و بأسلوب شائق واقعى جدا ياسر قارئه في حكايات القرية بسوداويتها القاتمة، بظلالها الكئيبة، ترى أشكالا من هذه العلاقة المريضة، علاقة فيها الاشتهاء الا انها لا تتحقق في إطار الشرعية مثل حكاية الطبيب مع ممرضته الجميلة، أو علاقة اشتهاء قاس تظهر عجز السلطة امام الاشتهاء الذي يتحول الى ممارسة للقسوة في ابشع صورها كما نراها في علاقة العمدة بزوجته الشابة التي أغراها بالزواج لتتحرر من فقر أهلها.

ورغم ذلك فإن الفلاح والفلاحة يحنون الى بلدهم و اقاربهم مفضلين إياها على أي رغبات، يستسلمون بسهولة للإف والقربى كما نرى ذلك في علاقات الممرضة بزوجها الضعيف، فهي مؤهلة للإقتران بزوج من طبقة اعلى لكنها لا ترغب في ترك إبن عمها لضعفه وقلة حيلته.

أهم من ذلك أنك ترى علاقة السلطة بالشعب متجلية في سيارة الشرطة رمز الدولة، وهي التي لا يعرفها الناس الا في المصائب، ها نحن نراها اول مرة تأتي للدفاع عن الأخلاق امام موكب العجر، يمر الغجر بالقرية ليهبوها مؤقتا الكثير من أنواع التسلية التى تختلط فيها البراءة بعكسها ،و لكنها مبرر لتدخل الشرطة، تدخل يأخذ الشكل الأخلاقى و لكنه في الحقيقة اغتصاب لا انسانى لمال الغجر و اجسادهم ، و سرقة لسعادة البسطاء بترفيه قليل يمر بهم في النادر.

و مثلما يدخل الطبيب السجن بسبب وعيه السياسى الذي يبقى ضمن الاطار النظري و لكنه في نظر الأمن خطر ، ينتهي الأمر به الى ان يمارس التزوير في الانتخابات، امر لا فكاك منه طالما أنه بعمل ممثلا للدولة، الدولة التى سجنته ثم رتبت من يتزوج حبيبته في غيابه، و لكن علاقته بالدولة هي التى تبقى له بعض المقام في المجتمع، مثله في ذلك مثل الجنود الذين يستمتعون بالسلطه بالتنمر على البؤساء و المسحوقين، رغم انهم بعد انتهاء خدمتهم سيعودون الى صفوف هؤلاء الناس، لعبة تبادل الادوار التى قامت عبر التاريخ و التى تتيح لمن في السلطة امتيازات يمارسها على نفسه.

النفاذ الى قاع المجتمع من خلال طبيب الوحدة المجمعة أتاح للروائي حرية واسعة في تشكيل المجتمع الذي يصل من خلاله الى عرض بانوراما هائلة للمجتمع و علاقته بالسلطة ،بما في العلاقة من التباس، مثل العلاقة التى سادت بين الطبيب و زوج معشوقته، الزوج بائس تتمسك به زوجته لكنه بعيش ضعفه و خيبته و يستطيع الضغط على ممثل السلطة لكى يسافر الى المجهول .. المجهول الذي يريح السلطة و الشعب معا و لكن إلي حين إنه المجهول الذي يدفع البائسون ثمنا باهظا له، و لكنه الثمن الذي يفضح عجز السلطة و ضعفها أمام ضحاياها و المسحوقين على أعتابها.

عمل مهم يتناول موضوعا شائكا ، تناولته روايات أخرى و لكنه فيه من الخصوبة ما يغري القارئ و يلهم الروائي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق