إبداعاتالأخبار الثقافية

“الروائي وإرهاصات التغيير”.. رواد العوام

بين الطائرة والنهر:

عادةً ما يقيسون نجاح الساحر من خلال القدرة على الإبهار، وإدهاش المتفرج وجعله يتساءل “كيف حصل ذلك”. وكيف تنقلب موازين الفيزياء لتقف كرة في الهواء دون حامل؟؟

وفي الحقيقة الساحر يلعب بأعصابك بألعاب خفةٍ لها قوانينها وزوايا النظر الخاصة بها، أنت فقط تقع تحت تأثير السحر.

ولكن لماذا نتكلم عن السحر بمقدمة مقال أدبي حول الرواية؟

في الحقيقة لتشابه النتائج بين السحر والأدب، وبين السحر وعالم الرواية وبين الساحر المدهش والروائي الناجح، في الحقيقة كلا الرجلين يملكان تقنيات متشابهة من حيث المبدأ، أحدهما يلقي بسحرة على جمهور يصفق والآخر يكتبه لجمهور لا يجد وقتاً للتصفيق حيث تأكله الأسئلة.

وقد تذكرت هذه المفارقة وأنا أقرأ رواية “أقدار البلدة الطيبة” للروائي السعودي عبد الله الوصالي، فكان الساحر يأخذني على هواه إلى حيث يريد  كي أرى البلدة التي يتكلم عنها “هو” بمنظور توضيحي شامل، فكأنه يملك طائرة تصوير جوية ويمسح بيوتها وشخوصها وشوارعها وأشجار نخيلها وتطور مبانيها، وتبقى الطائرة التي يسيرها الساحر ( الروائي) تجوب أزقة السرد حتى تخرج من فضاء النص. 

تدخل طائرة الساحر لفضاء سردي جديد، وهنا تتعمق المفارقة أكثر وتدرك أن ما يراودك الشك فيه هو يقين حين تقرأ رواية ” عشرة أسابيع في جوار النهر” حيث ينتقل السرد إلى مكان وزمان متغيران بالمطلق وإلى استراتيجية سردية مغايرة حيث تسقط من الطائرة لتركب قارب السرد الذي ستجدف فيه في نهر أيوا مع شخصياته المتمايزة والمتعددة والمتطورة.

استراتيجية السرد عند الكاتب ليست متشابهة، فلكل رواية مكان وزمان وحدث منفصل، شخصيات وحكاية، ولكن الحامل الأيديولوجي لفكر الرجل هو التقاطع الجلي الخفي بين الروايتين.

أكثر ما يلفت انتباهي في قراءة العملين هو الوعي الروائي للكاتب والوعي العام للشخصيات، حيث تقرأ واقعاً وحدثاً حقيقياً وتشعر أنك جزء منه، تتفاعل مع أزمة شخصياته وعمقها، فينير لك الكاتب الموهوب مواضع العتمة في الشخصية ويستطيع استقراء فعلها المستقبلي موارباً ويجعلها موجودةً موهماً إياك بواقعية وجودها في مكان ما من هذا العالم. 

قدّم الوصالي مادة دسمة تظهر تشخيصا لحد التطابق للفكر العربي المتناقض والمكبّل في زمانين مختلفين وبعيدين. رغم الفارق الزمني الهائل في ظل فورة معلوماتية وتكنولوجية وحضارية قادرة على تغيير القشور في أربع عقود، أحدهما يعود لحقبة السبعينات، في أقدار البلدة الطيبة وهي فترة كانت فيها الحضارة التكنولوجية والثورة النفطية تزحف على أعتاب البلدان العربية، وفترةً أخرى هي فترة الربيع العربي الذي يشكل الخط الزمني لعشرة أسابيع بجوار النهر. فيظهر تغيّب ضوابط العلاقات الاجتماعية التي نشأت عليها الثقافات العربية المتعددة لحظة ولوجها ـ لأسباب قهرية متعددة ـ مجتمعا جديدا لا تشعر فيه بانتمائها لبعضها إلى بعض ولا بهويّة مشتركة ولا بوحدة الآمال والآلام وغيرها من المشاعر العملاقة الزائفة. 

في مواجهة التعفن:

 الدين لا يكون طيّعاً في نفوس المتعنّتين له إلا حين تحضر الرغبات البشرية. وحين تحضر الدنيا إلى الآخرة، ستتحول الآخرة لسوق يسوّق منتجات الدنيا، ويصبح الإيمان صناعة رديئة ومقلدة وسيتاجر من يتقبل بالمنتج ويبيعه للمستهلك الضعيف والجاهل والمسكين.

 فللدّينِ سطوةٌ فولاذية على العقول، وأوردةٌ تبثّ كلَّ معالم الخوف في أنفسٍ ربطتْ أقدارَها برُقيَةِ شيخٍ أو لمسةِ من يده المباركة على رأس فارغٍ إلّا من الخوف والجهل في البلدة التي ” أقدارها طيبة” وحينها ستكون بيئةً تضمُّ عقولاً وطيدة الالتحامِ بتربةٍ مترعةٍ بالفكر الديني الرجعي الذي سيصارع مع كل أشكال النّهضة مراراً وتكراراً.

ففي تلك المدينة التي مسك زمام أمورها وعقول أبنائها واحد من مشايخها يملك قدرةً كلاميّةً ولساناً دينياً يشدّ إليه القلوب والعقول، وعمل على عزلها تماماً عن العوالم الخارجية ـ جيدها وسيئها, بهدف الحفاظ على سلالة أبنائها وحماية ضريحها المبارك من أيدي السلطان، لتصبحَ أسيرةَ أسوارِ الجهلِ والتخلف، وليجعل من موضوع العقاب والثواب أمراً تقومُ عليه كلُّ مقوماتِ الحياة.

فالتفكير في الحبّ له عقوبةٌ والرغبةُ في إلقاء نظرةٍ على العوالم الأخرى خارج سورِ المدينة المسجّى بالخوف له عقوبة، والتفكير خارج الصندوق له عقوبة. فكيف تعاملت الشخصيات (فريد) الانطوائي و(محسن) الطفل الشجاع الذي لا يسكت عن ضيم, و(فيصل) المسالم و(سمير) المحبّ للعلم والأدب، والخارجين من بيئةٍ لا تعرفُ من الحياة سوى بساطةِ اللّباس، وفقر الحال، وأرواحٍ وأشباحٍ تتربص بكلّ سؤال يمكن أن يراود عقولَهم الفضوليّة، كيف تعامل هؤلاء مع التغيير.

كان إنشاء المدرسة إحدى النقاط الإشكالية والجدلية والتي طرحت سؤالاً غايةً في الخطورة عن معنى أن تفتح مدرسةً صغيرةً في سجنٍ كبير؟ وهل جلبت معها سلاسل منحتْ القيدَ طولاً يُخرِجُ أقدامَهم خارجَ أسوار القلعة؟  لتجد محسنا مثلاً هارباً من ألوان العذاب الذي مارسه المدرّس عليه ودخوله لصراع نفسي وتداعيات رهيبة تتساءل فكيف ستنتهي؟. 

تتواتر الأحداثَ لتهاجمَ الحضارة أسوار المدينة بعد اكتشاف النفط الذي شتت أبناء المدينة خارج أسوارها، فكان ثورةً على بيوت الطين والقش فهل كانت ثورةً على العقول الموغلة في الجهل والتخلف؟

وهل تغيير اسم أحد الشخصيات من فريد لعبد الرحمن استطاع إيصال الرسالة التي يود الكاتب حسب ما اعتقد إيصالها، ولماذا نجح هذا الشخص واستطاع استثمار التغيير ومن هم الفئة المستفيدة من انقلاب الموازين؟. 

يطرح الروائي أسئلة حساسة جداً عن مرحلة حساسة جداً وقد لا يكون الحسم فيها في الوقت الراهن متاحاً وهذا أجمل ما يميز النص حيث أنه لا يستسلم لقراءة واحدة أو قارئ واحد أو وجهةٍ نظر أحادية!. 

لقاء المنافي:

تتسع فضاءات الفكر العربي إلى عوالم أبعد في فترة زمنية متقدمة من القرن الواحد والعشرين، ففي روايته الثانية (عشرة أسابيع في جوار النهر) يسبر الوصالي أغوارَ الربيع العربي، وما جرّه من طوفان على البلدان العربية التي طفت على سطحها العقلياتُ المتحررةُ فكرياً والمتحجرةُ في آنٍ معاً، والمناهضة للسياسات القائمة في بلدانهم بينما غرق الباقي في محيط الخوف والدّمار.

وقد جعل الكاتب من مدينة ( أيوا ) الأمريكية فضاءً يسبر أغوار شخصياته التي غادرت عالماً كانت تخنقها أحكامه وقوانينه  ليعمل جاهداً على التحرر منها حين تسنى لها الانغماس في مجتمع جديد متحرر ولكن التحرر من الحقيقة أمر يحتاج إلى الكثير من الجهد لإخفائها وإظهار ما ندّعيه من أننا أسوياء. فهل استطاع المنفى الدافئ ترميم شروخ الروح العربية الشريدة؟

 والد ميرا الفلسطيني الذي نزح من فلسطين ليعيش في أمريكا والذي حاول جاهداً الحفاظ على فكره ولغته لينساهم بعد زمن في ظل متطلبات الحياة المفروضة وليعود محاولاً إعادة الماضي فكراً وقيماً وطقوساً حين استقدم والدته الفلسطينية بعد موت والده لتعيش معه في أمريكا. 

ومرتضى الشاعر العراقي الشيعي الذي يمثل ما طمح إليه أبناء العراق ـ لحظة دخول أمريكا بلدهم ـ في التخلص من القهر الذي وزعه بينهم صدام حسين ليجدوا أنفسهم راغبين بالعودة إلى ذلك الجحر بعد الخديعة التي أوقعوا بها بلدهم على يد أمريكا، فماذا يريد مرتضى؟

محمود المصري الناصري الذي ناهض حكم حسني مبارك ووجده مثالاً للتطبيع مع الإسرائيلي، محمود اللاهث خلف الشعارات القومية الكاذبة، وقد وجد من تلك المدينة فضاء أوسع ليعبر عن رغبته بتجريد مصر من عروبتها لتصبح بلداً أفريقية فلماذا هذا التغيير النفسي العميق؟

وكانت سلمى الأديبة السورية التي كانت تعارض نظام الحكم وتظن الثورة مجديةٌ ولكن ما هي الأسئلة العميقة التي تجابه نفسها بها؟

وصولاً لمرهف الكاتب السعودي الذي لم يجد في بلده من يتبنى فكره ورأيه السياسي ويعيش حالة من التماهي مع الحياة الأمريكية ولكنه يرفض مع باقي الشخصيات العربية الالتقاء بآلون الإسرائيلي الرافض لتسميته باليهودي نظراً لاعتباره الماسونية اليهودية عنصرية بينما الاسرائيلية تواجد لابدّ للفلسطيني من الاعتراف به والتعايش معه واللقاء به في جوّ تحاوريّ تندمج فيه الثقافتين لتنهض بثقافة سلمية تحيي التواجد  الفلسطيني الاسرائيلي على أرض واحدة, وقد جعل من مسرحيته التي قدمها والمستوحاة من رواية عائد إلى حيفا دليلاً على الانقسام الذي يعاني منه الاسرائيلي كما يعاني منه الفلسطيني.

وصولاً لشخصية ميرا الأمريكية الفلسطينية التي جعل الكاتب منها رغم صغر سنها المُمْسِكِ بزمام الأمور والجامع للثقافات تحت مبدأ إنساني بحت, فقد استطاعت جمع تلك الثقافات الرافضة لفكر بعضها البعض, رغم أنها من عالم واحد (الشرق الأوسط) الذي عصف به الربيع العربي.

عبر هذه الشخصيات تطرح ملحمة من الأسئلة ومآزق وجودية وأحداثاً غير متوقعة حيث يعري الكاتب أوراق التوت عنها لنراها كما هي دون مواربة، شخصيّات مقهورة سياسيّاً واجتماعيّا وشخصيات تعاني فصاماً نفسيّا وأزمات متكررة مع محيطها الأم ومع نفسها ومع الآخرين لتُشرعَ الأبوابُ أمامهم كي يعبّروا عن ذواتهم فهل كانت مخارج الوصالي قدرية، وهل كان في النص مخرج للطوارئ، هذا ما سأعتبره رأياً احتفظ به لنفسي لكيلا أفسد على القارئ متعة الاكتشاف

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق